انطلق إيان إلى الغابة في فجرٍ بارد، والضباب يلف الأشجار كستارٍ رمادي ثقيل.
لم يسمع إلا دقات قلبه المتسارعة، وكأن روحه تركض قبله نحو شجرة الحياة.
كان يحمل في قلبه أملًا أخيرًا و لو كان ضعيفًا.
أملًا بأن ينقذ إلينورا، مهما كان الثمن.
وعندما وصل إلى الشجرة، كانت أوراقها البنفسجية تتساقط ببطء، تُضيء الأرض بنورٍ خافت.
مدّ يده نحو الجذع المتوهج، يستعد ليقدم جزءًا من حياته كما أخبره لويد.
لكن…قبل أن تلمس يده الشجرة انفجر نورٌ قوي، أبيض متوهج، يحيط به حتى أصبح لا يرى شيئًا.
تسمرت قدماه في مكانه، وشعر بحرارة لطيفة تحيط به، ليست نارًا… بل نورًا نقيًا.
ثم سمع صوتًا…
صوتًا أنثويًا، هادئًا، جميلًا، لكنه يحمل حزن العصور كلها ... صوت روزالين.
«إيان… ابن النور»
ظهر أمامه طيف فتاة جميلة من نور، شعرها يتطاير كخيوط ضوء، وعيونها كأزهار البنفسج.
ألقت عليه نظرة تحمل احترامًا… و حزناً"
"إيان… كنت أعلم أنك ستأتي."
تقدم خطوة، قلبه يخفق خوفًا وأملاً معًا:
"روزالين… أنتِ قادرة على كل شيء. أرجوكِ… أنقذي إلينورا. خذي قوتي… حياتي… خذي كل ما لدي!"
رفعت روزالين يدها تلمس الهواء، فصار حوله هدوء سماوي.
هزّت رأسها ببطء، وعيناها المتوهجتان تكادان تبكيان نورًا:
"لا يمكنك إنقاذها… ولا يمكنني أنا ذلك."
تجمد إيان في مكانه لم يفهم… لم يستوعب.
"ماذا تقولين؟! هي… هي فقط ضعفت لأنها..."
قاطعت كلماته بنبرة حزينة تشبه انهيار نجم:
"إلينورا قدمت روحها لشجرة الحياة… لإنقاذ تاريس.
لم تعطِ قوة فقط… بل وهبت جزءًا من حياتها.
ما فعلته… لا يمكن التراجع عنه."
ارتعش صوت إيان: "لكن… لماذا لم تخبريني؟! لماذا سمحتِ لها؟!"
انخفض نور روزالين، وكأنها تنحني احترامًا لامرأة أحبّت أكثر مما ينبغي "لأنها اختارت ذلك بإرادتها.
كانت تعرف الثمن…وكانت تقول: إن كانت حياتي مقابل سلام تاريس… فليكن.
قالت إنها تفعل هذا لأجلك… ولأجل شعبك… ولأجل أطفالها الذين لم يولدوا بعد."
ضعفت ساقا إيان، فسقط على ركبتيه أمام الشجرة.
"لا… لا يمكن… إلينورا… هي كل شيء.
لا أستطيع أن أعيش في عالم لا تكون فيه…"
اقتربت روزالين حتى أصبح نورها يلمس كتفيه:
"لم تُخلق لتخسرها… لكنك أيضًا لم تُخلق لتمنع القدر.
حتى أنا… إلهة النور… لا أستطيع تغيير ما وهبته روح إلينورا طوعًا."
«إيان… يمكنك فقط أن تحبها في الوقت الذي تبقى فيه»
اقترب نور روزالين أكثر، ووضعت يدها على كتفه
لمسة خفيفة كأنها لامست روحه نفسها.
"لكن اسمعني يا ملك تاريس…إلينورا لا تحتاج إلى قوة سحرية لتعيش هي تحتاج إليك.
إلى ابتسامتك… إلى أطفالها… إلى بيتٍ مليء بالسلام الذي قاتلتم من أجله."
ارتجف صوت إيان، ودمعة ساخنة سقطت على الأرض:
"هل ست… تموت؟"
لم تجبه مباشرة لكن الصمت… كان جوابًا.
بعد لحظات، قالت روزالين بصوت أمّ تواسي طفلًا ينكسر أمامها:
"لن تختفي الآن… ما زال أمامها وقت.
قصير… لكن ثمين.
اجعله جميلًا يا إيان.
اجعل أيامها الأخيرة هي الأجمل."
أغمض إيان عينيه بقوة، كأنه يريد خنق الألم نفسه.
"أعدكِ… لن أجعلها تبكي مرة أخرى."
ابتسمت و تراجعت روزالين، وبدأ جسدها يتحول إلى نور يتلاشى بين أغصان الشجرة.
وقبل أن تختفي، همست:
"وعدك… سيكون ما يبقي نورها حيًا في تاريس.
وداعًا… ابن النور."
ثم اختفت ولم يبقَ سوى إيان راكعًا أمام الشجرة
يمسك الأرض بكفيه.
وصدى الحقيقة يتردد في داخله لا أمل لإنقاذها.
لكن…ما زال يمكنه منحها سعادة لا تُنسى قبل أن يصل القدر.
لم يكد يمضي أسبوع على عيد ميلادها الأخير، حتى بدأ التعب ينهش جسد إلينورا.
وجهها الذي كان يضيء القصر بابتسامته فقد لونه شيئًا فشيئًا، وصوتها الرقيق صار ضعيفًا كهمس الريح.
كانت تعرف في قرارة نفسها أن السبب هو تضحية قدمتها من قبل: حين وهبت جزءًا من حياتها وسحرها لشجرة الحياة كي تستمر المملكة في الازدهار.
آرثر، بعمر السابعة، كان يجلس قرب سريرها، يحاول أن يضحكها بحركات طفولية رغم أنه كان يذرف الدموع خفية.
رينا الصغيرة لم تفهم تمامًا ما يحدث، كانت تجلب لوالدتها الأزهار والرسوم التي ترسمها، وتقول: "ماما، انظري، هذه شجرة الحياة مثل اللي في الغابة!"
مارينا، أم إلينورا، لم تفارق ابنتها لحظة، وكانت تذرف الدموع بصمت وهي ترى فلذة كبدها تذبل أمامها.
في إحدى الليالي، حين كان القمر يغمر الغرفة بضوئه الفضي، استيقظت إلينورا من سباتها الضعيف، ونادت بصوت خافت:
"إيان… اقترب."
جلس بجانبها، أمسك يدها بقوة وهو يحاول كبح دموعه.
ابتسمت له برقة وقالت:
"لقد أعطيت حياتي لشجرة الحياة… لكنني لم أندم. أردت فقط أن يرى أطفالنا عالمًا مزدهرًا… أن يروا النور."
ثم نظرت إلى آرثر ورينا النائمين بجوارها، ومدت يدها المرتعشة لتلمس وجهيهما:
"احمِهم… ودعهم يعرفون أنني كنت أحبهم أكثر من كنوز الدنيا ... و أيضا ..أحبك إيان."
وفي لحظة هادئة وملؤها السالم، أغمضت إلينورا عينيها بهدوء، بعمر الخامسة و العشرين غادرت إلينورا هذه الحياة.
كان كل شيء يبدو وكأنه توقف للحظة، حيث انتشر هدوء رهيب في القصر و روحها غادرت كفراشة بنفسجية تتلاشى مع نور القمر.
ملامح الحزن و الصدمة تعلو وجه إيان غير مصدق.
" لا.. إلينورا.. لا يمكن .. "
مع شروق الشمس أعلن الحداد الرسمي في المملكة.
جُللت العاصمة بالسواد، وأقيمت جنازة مهيبة في معبد روزالين.
الشعب كله خرج إلى الشوارع يبكون ملكتهم الحبيبة التي كانت رمز الطيبة والتضحية.
إيان، رغم قوة قلبه، لم يستطع كبح دموعه وهو يقف أمام نعشها الأبيض المرصع بالورود البنفسجية.
همس في نفسه "لقد رحلتِ يا زهرتي… لكنكِ ستبقين خالدة في قلوبنا."
آرثر أصبح أكثر جدية، نضج بسرعة ليكون سندًا لوالده.
رينا، رغم صغرها، كانت تسأل كل يوم عن أمها، فيحتضنها إيان ويقول: "إنها في قلبك يا صغيرتي ذهبت بجانب روزالين"
إيان عاد إلى مذكراته، يكتب كل ليلة عن إلينورا، عن ضحكاتها وذكرياتهما، كأنه يحاول أن يبقيها حية بالكلمات.
منذ رحيل إلينورا، تغيّر القصر.
ضحكتها التي كانت تملأ الممرات صارت ذكرى بعيدة.
مقعدها الفارغ في مائدة الطعام كان يكسر قلب إيان كل يوم.
ومع ذلك، لم يسمح لأحد أن يرى ضعفه.
كان يظهر أمام الشعب كملك قوي، وأمام أطفاله كأب صلب يبتسم مهما كان قلبه يتألم.
كل ليلة، حين ينام الجميع، كان يجلس في شرفته، ينظر إلى النجوم، يفتح دفتر مذكراته ويكتب سطورًا قصيرة. "أفتقدك يا زهرتي… لكنني سأظل قويًا من أجلك ومن أجلهم."
مارينا، والدة إلينورا، أخذت على عاتقها دور الأم لأحفادها. كانت تحتضن رينا وتروي لها الحكايات قبل النوم، وتراقب تدريب آرثر في الساحة بابتسامة فخر.
آرثر بدأ يتحمل مسؤولية أكبر، يرافق والده أحيانًا في الاجتماعات، محاولًا أن يكون سندًا له.
رينا الصغيرة كانت تبعث الحياة في القصر، تجري بين الممرات ضاحكة، كأنها شمس تذيب بعض جليد الحزن.
ومع كل هذا، كان إيان يختفي في وحدته، يخفي دموعه عن الجميع.
في إحدى الليالي، دخل لويد غرفة الملك دون إذن.
وجده جالسًا على الكرسي، يحدّق في صورة لإلينورا، عيناه دامعتان لكنه يمسحها بسرعة حين شعر بوجوده.
قال لويد بغضبٍ مشوب بالقلق:
"إلى متى ستظل تخفي حزنك يا إيان؟! أنت لست حجرًا… أنت إنسان! لقد فقدت نصف روحك، دع دموعك تخرج!"
رد إيان بصوت متهدج لكنه حاول أن يبدو ثابتًا:
"لا أستطيع، لويد… إذا رآني شعبي ضعيفًا، سينهارون. إذا رآني أولادي أبكي… كيف سأكون...؟"
اقترب لويد فجأة، وأمسك كتفيه بقوة، ثم جذبه إلى صدره في عناق قوي.
قال بصوت مرتجف "دعني أكون الوحيد الذي يراك تبكي ، كما كنت دائمًا بجانبي، دعني أكون بجانبك هذه المرة ... ابكِ يا صديقي… لا بأس إظهار الضعف أمام من يحبك."
عندها انهارت مقاومة إيان، وانفجرت دموعه التي حبسها طويلًا.
بكى على كتف لويد كما لم يبكِ من قبل، صوته يختلط بألم السنين.
همس لويد وهو يربت على ظهره:
"لقد تحملت الكثير وحدك… لكنك لست وحدك ... أنا هنا."
في الصباح التالي، كان وجه إيان مرهقًا لكن أخفّ حملًا.
جلس مع أطفاله، ضاحكًا لأول مرة منذ زمن طويل، وهو يشاهد آرثر يحاول تعليم رينا إمساك عصا خشبية صغيرة.
نظر إلى مارينا التي ابتسمت له بحنان أم، كأنها تقول بعينيها: "أنا هنا، ولن أترككم."
رفع إيان نظره إلى السماء وهمس في داخله:
"إلينورا… سأظل أبًا لهم كما أردتِ، وسأظل ملكًا يحمي ما ضحيتِ لأجله."
مضى عام كامل منذ رحيل إلينورا، وما زال القصر يحمل ذكراها في كل ركن، لكن الحزن لم يعد سيد المكان.
آرثر، وقد بلغ الثامنة، صار صبيًا قوي الإرادة، يحمل في عينيه زرقة والدته وبريق أبيه.
تدريباته اليومية في الساحة أظهرت موهبة فريدة: الجمع بين سحر الضوء وفن السيف.
رينا، في الخامسة من عمرها، كانت أشبه بزهرة بنفسجية صغيرة، تتفتح يومًا بعد يوم.
بدأت تظهر عندها علامات موهبة نادرة: التحكم بالطبيعة، حيث كانت الأزهار تميل نحوها والطيور تحط على كتفيها كأنها تعرفها.
مارينا كانت تنظر إليهما بفخر وحب، قائلة لإيان:
"هذان الطفلان هما إرثها الحي، يا إيان… لقد أورثتهما شيئًا من روحها."
في إحدى الحصص التدريبية، واجه آرثر خصمًا أكبر سنًا من الفرسان الصغار، ورغم ذلك أطلق تعويذة درع ضوئي ليتصدى للهجوم، ثم اندفع بسيفه الصغير بخطوة رشيقة أبهرت الفرسان.
ضحك لويد وقال: "هاه، يبدو أنني سأخسر مكاني قريبًا."
أما رينا، فقد كانت تلعب في الحديقة، وأمام دهشة الجميع، جعلت شجرة صغيرة تُزهر في منتصف الشتاء.
اقترب إيان منها، رفعها بين ذراعيه وهو يضحك بعينين دامعتين:
"إنها تشبهك يا زهرتي… مليئة بالحياة."
حين جاء يوم ميلاد إيان، اجتمع الأصدقاء والمقرّبون في القصر.
زُيّن المكان بالشموع وأكاليل الأزهار التي صنعتها رينا بنفسها.
آرثر قدّم لوالده هدية صنعها بيديه: سيف خشبي منحوت بدقة، كتب عليه كلمة "إلى أبي، أعظم بطل."
أما رينا، فقد أعطته عقدًا من زهور بنفسجية ربطته بخيط ذهبي صغير، وهي تقول ببراءة:
"حتى تبقى قويًا يا أبي، مثلما تحبنا."
عندها، لم يتمالك إيان نفسه، واحتضنهما بكل ما فيه من حب.
لويد، وهو يرفع كأسه، قال بصوت عالٍ:
"إلى الملك إيان، الذي لم يكسره الحزن، وإلى أبنائه الذين يحملون المستقبل! سبعة وعشرون عامًا من القوة…"
ارتفعت أصوات التصفيق، لكن ما بقي محفورًا في قلب إيان لم يكن صوت الأصدقاء و حسب بل دفء ذراعي طفليه حول عنقه، وإحساسه أن نور الحياة عاد يتفتح من جديد.
" شكرا لكم جميعاً." ابتسم وهو يطفئ الشموع.
في صباحٍ مشرق، أصرَّ آرثر على الخروج مع رينا لاكتشاف الغابة القريبة من القصر.
كان إيان متردداً، لكن بعد إلحاحٍ كبير، سمح لهما بالذهاب مع حراسة خفيفة، قائلاً بابتسامة حانية:
" احظيا بمغامرة ممتعة، لكن استمعا للويد."
لويد ضحك وهو يربت على كتف إيان
"اطمئن، الملك الصغير والأميرة الصغيرة في أيدٍ أمينة."
رينا ركضت بين الأزهار، وما أن لمست يديها شجرة صغيرة حتى تفتحت أزهارها بألوانٍ براقة رغم أن الموسم لم يكن موسمها. الطيور غردت فوقها كأنها ترد التحية، و أسراب من الفراشات تجمعت حول شعرها الأسود اللامع.
آرثر، وهو يمسك بسيفٍ حقيقي صغير، قال بحماس:
"سأكون فارساً مثل أبي… بل أقوى!"
وفجأة، لمع السيف بوميضٍ ضوئي، وأطلق من طرفه شعاعاً قصيراً اصطدم بصخرة صغيرة فشقها نصفين و الحرس نظروا بذهول، لكن الطفلين انفجرا بالضحك وكأن الأمر كله لعبة.
بينما كانوا يلهون، ظهر وحش غابة صغير يشبه الذئب لكن عيناه حمراوان، بدا وكأنه مسحور بطاقة مظلمة.
وقف آرثر أمام رينا رافعًا سيفه قائلاً: "لا تخافي، أنا هنا!"
رينا مدّت يديها بخوف، لكن فجأة انطلقت من أصابعها شرارة خضراء، تحولت إلى أغصان نباتية التفّت حول الوحش وقيدته.
عندها، استغل آرثر الفرصة وضرب الأرض أمام الوحش بضوء ساطع أخرجه من سيفه، مما جعله يفر هاربًا وهو يعوي.
الفرسان صفقوا بدهشة "إنهما ليسا طفلين عاديين… بل دماء البطل تجري فيهما."
اعتلت ملامح الدهشة على لويد ثم ابتسم و صفق لهما " احسنتم ، كما هو متوقع من طلابي."
حين عادا للقصر، كان إيان ينتظرهما بقلق، لكن عندما رأى بريق عينيهما وحماس حديثهما عن "المغامرة الأولى"، ابتسم رغم خوفه.
رينا قفزت إلى حضنه قائلة: "أبي! لقد هزمنا الوحش معاً"
آرثر وقف بفخر أمامه قائلاً: "أنا سأصبح فارساً قوياً، مثلك تمامًا." إيان، بعينين دامعتين، احتضنهما معًا قائلاً "لكن تذكرا… القوة الحقيقية ليست في السحر أو السيف، بل في القلب الذي يحمي من يحب."
في صباحٍ مشمس، امتلأت الساحة الواسعة داخل أسوار القصر بأصوات السيوف وهي تتقاطع، وتعاويذ السحرة المتدربين تتردد في الهواء.
كانت اللحظة مميزة: اليوم سيبدأ أبناء الملك تدريبهم الرسمي لأول مرة.
وقف إيان أمامهما بهيبة الملك ودفء الأب، بينما كان لويد بجانبه متكئًا على عصاه، مبتسمًا بعينيه الهادئتين.
إيان: "اليوم لن تكونا مجرد طفلين تلعبان في الغابة. أنتما أبناء تاريس، ومستقبلكما سيحمل عبئًا عظيمًا… لكني لا أريد منكما القوة لأجل الحرب، بل لحماية الناس ."
لويد ضحك بلطف: "ومع ذلك، لا بأس بقليل من الحماس… فالتدريب ممتع إن عرفنا كيف نجعله كذلك."
حمل آرثر سيفًا خشبيًا مصممًا خصيصًا له، يقف بثبات يفوق عمره.
علّمه إيان كيفية الوقوف بثبات، كيفية التحكم في تنفسه، وضرباته الأولى كانت متسرعة.
ابتسم إيان: "لا تركض خلف القوة يا آرثر، اجعلها هي من تأتي إليك."
مع كل جولة تدريب، بدأ جسده الصغير يتناغم مع السيف، وشيئًا فشيئًا أضاءت حوافه بوميضٍ خافت، دلالة على موهبته الفطرية في دمج السحر بالقتال.
لويد أخذ رينا إلى ركنٍ آخر من الساحة، حيث صفّ أحجارًا صغيرة على الطاولة.
لويد: "السحر يا صغيرتي مثل بستان. إن أحببتِه ازدهر، وإن أهملته ذبل."
طلب منها أن تركز على إحدى الحجارة. أغلقت عينيها، رفعت يديها الصغيرتين، لتخرج طاقة خضراء لطيفة جعلت الحجارة تتفتح كزهرة صغيرة.
ضحكت رينا بسعادة، فقال لويد: "رائع! لديك موهبة في سحر الطبيعة، وهذا نادر جدًا. لكن تذكري… السحر يحتاج قلبًا نقيًا أكثر مما يحتاج قوة." وضع أهداف تدريب و طلب منها ان تصيبها " اطلقي سحرك على الأهداف. "
ركزت قوتها و مدت يدها مطلقه ضربة رياح أسقطت الأهداف.
" أحسنتٍ انت موهوبة."
في نهاية اليوم، جمع إيان الطفلين في مواجهة تدريبية بسيطة.
على آرثر أن يحمي رينا بسيفه من دمى خشبية متحركة.
وعلى رينا أن تساعده بسحرها لهزيمة الأعداء.
بدأ التحدي، وآرثر يلوّح بسيفه بحماس، بينما رينا ترسل جذورًا وأغصانًا لإبطاء الدمى. ومع أول سقوطٍ للدمى معًا، صفق الجنود والسحرة المحيطون، وارتسمت ابتسامة فخر على وجه إيان.
إيان: "أنتم لستم فقط ابني وابنتي… أنتم أمل هذه المملكة."
بعد مرور عام حلَّ مساء حزين على قصر تاريس، والشموع تضيء الممرات في صمتٍ خاشع.
اجتمع إيان، آرثر، رينا، والملكة الأم مارينا في قاعة المذبح الصغير داخل القصر، حيث وُضع تاج من الزهور البيضاء أمام لوحة كبيرة لإلينورا.
إيان ارتدى عباءته السوداء البسيطة، ووقف صامتًا بينما نظرته تائهة في ملامح اللوحة.
لم يبح بأي كلمة، لكنه كان يقبض على يده بشدة، يخفي حزنه عن أطفاله.
اقترب آرثر ذو التسع أعوام، ووضع زهرة زرقاء أمام الصورة قائلًا بصوتٍ خافت: "أعدك يا أمي أن أصبح قويًا لأحمي أبي و رينا."
أما رينا، الصغيرة ذات الأعوام الستة، فقد جلست بهدوء قرب الصورة، تلمس أطراف الإطار وهي تهمس: "أمي… أفتقد دفئك."
لويد، و لوسيان اللذان حضرا معهم، أشاح بنظره متأثرًا، بينما وضعت مارينا يدها على كتف إيان وهمست
"هي تعيش في كل ابتسامة من أطفالها."
في تلك الليلة، وبعد أن نام الجميع، خرجت رينا إلى شرفة غرفتها. السماء كانت مرصعة بالنجوم، والقمر يتلألأ، وفجأةً لفحها نسيم دافئ يحمل معه همسة عذبة.
فجأةً، ظهر أمامها نور بنفسجي مشع تشكّل تدريجيًا في هيئة امرأة جميلة، ذات شعر أبيض يلمع كخيوط القمر، وأجنحة شفافة تشع كالبلور. كانت تلك روزالين، حامية تاريس.
روزالين بابتسامة رقيقة: "يا رينا الصغيرة… ابنة الحب والنور… لقد سمعت نداء قلبك الليلة."
رينا بخوفٍ طفولي ممزوج بالفضول: "أ…أنتِ ملاك؟"
ابتسمت لها بلطف "أنا روزالين… الحارسة التي باركت والدك. وها أنا اليوم أقف أمامك، لأنك تحملين في قلبك بذرة نوري و بذرة حب إلينورا للحياة."
مدّت روزالين يدها، فتشكلت فراشة بنفسجية من الضوء وحطّت على يد رينا.
روزالين: "هذه الفراشة هي عهد بيننا. يوماً ما ستكبرين وتفهمين قوتك… وستدركين أنك لستِ فقط ابنة إيان و إلينورا، بل ابنة الحياة أيضا."
دموع رينا انهمرت وهي تهمس: "هل أمي معك ؟ بابا قال أن أمي مع روزالين؟ هل تراني؟"
روزالين بصوتٍ حنون: "أمكِ تحيا في قلبك يا رينا. وهي التي جعلتني أظهر لكِ الآن… لتعلمي أنك لست وحدك أنا و إلينورا معكم دائماً." ظهرت قلادة بنفسجية " خذيها ، رينا، كلما أردت التحدث معي أمسك بالقلادة و سوف آتي إليك."
ثم تلاشى الضوء شيئًا فشيئًا، تاركًا أثرًا بنفسجيًا خفيفًا في عينَي رينا.
استيقظت رينا وهي أكثر هدوءًا من أي وقتٍ مضى، وعندما رآها والدها، أسرعت إليه وقالت بحماس:
رينا: "أبي! رأيتها… رأيت نورًا جميلاً… أخبرني أنني لست وحدي!"
إيان نظر إليها بدهشة وارتجاف في صوته: "روزالين… ظهرت لكِ؟"
هزّت رينا رأسها، بينما ضمها إيان إلى صدره، وقلبه يشتعل بمزيج من الفرح والرهبة.
لقد أدرك أن القدر بدأ يفتح صفحة جديدة… صفحة تكون فيها رينا حلقة الوصل بين روزالين و تاريس.
و مع الأيام، أصبحت رينا تكتشف قدراتها السحرية بشكل أعمق .
في إحدى الليالي لم تستطع رينا النوم فنهضت متجهه لنافورة القصر و ضعت يدها على القلادة و بدأت بمناداة روزالين " روزالين هل انتِ هنا ؟ .
تشكلت هيئة روزالين " أنا هنا ، رينا الصغيرة "
كانت رينا حزينة و مشتاقة ألمها لكنها حاولت عدم البكاء ، لكن روزالين كانت تشعر بحزنها ابتسمت لها و احتضنتها بلطف قائلة " لا بأس كل شيء على ما يرام لا تحتاجي لإخفاء هذا الحزن فأنا أعلم كم تفتقدين إلينورا ."
عندما بدأت روزالين بمسح شعرها بلطف لم تستطع رينا إلا البكاء ، لقد كانت تحاول البقاء قوية لأجل والدها و بعد بكاء طويل هدئت قليلا و رفعت رأسها تنظر لروزالين بعدها قالت " حدثيني عن ارتباطك بأمي ؟ وهل أبي لديه قوتك أيضا " ً؟
مسحت روزالين دموع رينا و قالت بأنها سوف تخبرها عن أبيها و كيف التقت به
و لماذا قامت باختياره ليحمل بركاتها ؟ لكن بشرط و هو أن تبتسم و قبل أن تبدأ قاطعهم صوت والدها حين نادى عليها " رينا ماذا تفعلين هنا يا صغيرتي ؟ الجو بارد في الليل."
ابتسمت له رينا و قالت " لم أستطع النوم لذا جئت لرؤية النافورة التي كانت تحبها أمي."
ابتسم لها و قام بحملها و قبل خدها ثم قال " هل تريدين النوم مع والدك اليوم ؟ " آمت برأسها موافقه فأخذها لغرفته و بينما كانا يسيران نظرت للخلف فإذا روزالين قد اختفت.
و بعد أسبوع و في إحدى الأمسيات الساكنة، حين كانت رينا تجلس في حديقة القصر تتأمل القلادة البنفسجية التي أهدتها لها روزالين.
شعرت بارتباط روحي قوي مع شجرة الحياة ، بفضولها المعتاد، قررت أن تسأل روزالين عن أبيها،
الملك إيان، وعن سبب اختياره ليحمل بركات الأرواح منذ زمن طويل .
وضعت رينا يدها على القلادة وأغلقت عينيها، استدعت روح روزالين بصوت
هادئ: "روزالين، يا حارسة تاريس العظيمة ، أود أن أعرف أكثر عن أبي، و كيف
حاملا لبركاتك؟ ولماذا كان هو الشخص الذي آمن ِت به؟ " اخترته ليكون
كان الهواء المحيط بالحديقة يتغير تدريجيًا، وظهرت روزالين أمام رينا مرة
أخرى، أجنحتها البيضاء اللامعة تحيط بها والهالة البنفسجية تتألق حولها.
ابتسمت بلطف، ثم نظرت إلى رينا بعينيها الهادئتين، وقالت بصوت مليء بالحكمة "إيان، والدك، كان منذ البداية شخصا مميزا ، لكنه لم يكن يعلم ذلك. عندما كان شابًا، لم يكن يحمل في قلبه أي طموح للقوة أو الشهرة، بل يحمل شغفًا عميقً
لمساعدة الآخرين وإصلاح ما كان مكسورا لقد كانت مملكة تاريس تمر بفترة من
الاضطرابات والصراعات، والظالم كان ينتشر في الأفق و في تلك اللحظات، شعرت بروحه النقية وأدركت أن هناك شيئًا مختلفًا فيه فلم يكن يبحث عن السلطة، بل عن العدالة والسالم."
توقفت روزالين للحظة، ثم تابعت حديثها، عيناها تتألقان بذكرى قديمة : "أول مرة التقيت به كانت في لحظة كان فيها على وشك التضحية بنفسه لإنقاذ مجموعة من القرويين المحاصرين من قطاع الطرق ، كان صغيرا وكان
خائفاً لكنه وقف وحده، مصمًما على إنقاذهم حتى لو كان الثمن حياته."
رينا استمعت باهتمام شديد، محاولة تخيل شجاعة والدها في تلك اللحظة .
"في تلك اللحظة، علمت أنه الشخص الذي يستحق أن يحمل بركاتي لم يكن الأمر يتعلق بالقوة، بل بالنقاء الداخلي. قررت أن أظهر نفسي له، وأخبرته عن مصيره الحقيقي ، أخبرته أنني سأمنحه القوة السحرية، لكن فقط إذا كان يستخدمها لحماية الآخرين."
رينا لم تستطع كبح دهشتها: " وااااو ولكن ... هل كان خائفًا؟ هل تردد؟ "
روزالين ابتسمت بهدوء وقالت : "بالطبع كان خائفًا. أي شخص يواجه مثل هذا الاختيار سيكون كذلك، لكنه لم يتردد للحظة في قبولي بركاتي.
إيان كان يعلم أن هذه القوة لم تكن هدية، بل مسؤولية عظيمة ليكون النور ".
لقد قام بحمل كل هذا بقلب نقي، و واجه العديد من الأعداء والمخاطر ليعيد السالم إلى مملكة تاريس."
ابتسمت ثم أضافت " لقد اخترته لأنه كان الشخص الوحيد الذي استطاع أن يرى السحر ليس كأداة للدمار، بل كوسيلة للشفاء والإصلاح كان قادًرا على تحويل قوته إلى نور يضيء في أحلك الأوقات ."
رينا شعرت بالفخر الشديد بوالدها بعد سماع هذه القصة، وقالت بحماس : "أريد أن أكون مثل أبي، و أستخدم قوتي في حماية تاريس و الناس."
في هذه الأثناء كان إيان يزور المعبد بانتظام و يقضي في ساعتين كل يوم كان ينظر لتمثال روزالين بإمتنان و يشكرها على اهتمامها به من ذو أن كان طفلاً وحتى بعد ان صار مغامر بعمر الثالثة عشر و قابل لويد .
و ساعدته على إيجاد مكان يمكن أن يدعوه بالمنزل ، كان يذكر عندما كان يتيماُ صغيرا كلما كان يشعر بالحزن تظهر له فراشة بنفسجية ترسم البسمة على شفتيه و شفاه الأطفال الآخرين.
فعندما كان يمرض الأطفال كان هناك نور يظهر و يعتني بهم و عندما يستيقظون لا يجدون اثر لذلك النور.
لم يكن يعلم إيان بذلك الوقت بأن النور الذي يعتني بهم
كانت روزالين، آلهة تاريس الحارسة.
لكن الآن يدرك أن تلك الرؤى لم يكن يتخيلها في طفولته بل كانت أمور حقيقة.
و يعرف الآن أنه لم يكن وحيدا و انه سيكون بخير كما كان طوال ذلك الوقت و حتى الآن و في المستقبل.
نظر للتمثال مرة أخيرة قبل أن يذهب و ابتسم لها و شكرها على رعايتها له.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق