الأحد، 29 مارس 2026

الفصل الثالث عشر ظل في الأكاديمية

استيقظت رينا قبل شروق الشمس بقليل لم يكن هناك صوت في القصر.

حتى الطيور لم تستيقظ بعد، لكن قلبها كان ينبض بسرعة غريبة.

فتحت عينيها وحدقت في السقف للحظة، ثم تذكرت فورًا.

اليوم… هو يوم جديد في أكاديمية تاريس السحرية.

جلست على السرير بسرعة، وكأن النوم اختفى تمامًا.

نظرت إلى القلادة حول عنقها، فوجدت الجوهرة البنفسجية تلمع بضعف تحت ضوء الفجر الخافت.

مررت أصابعها فوقها بلطف وهمست:

"اليوم يبدأ يوم جديد و تحديات جديدة… أليس كذلك؟

وقفت أمام المرآة بعد دقائق.

كانت ترتدي الزي الأكاديمي ثوب أبيض بسيط تتدلى فوقه عباءة زرقاء داكنة مزينة بخيوط ذهبية خفيفة.

 لم يكن زيًا ملكيًا، لكنه جعلها تبدو مختلفة… أكثر نضجًا.

حدقت في انعكاسها قليلًا.

"هل أنا مستعدة فعلًا؟"

قبل أن تجد جوابًا، سُمع طرق خفيف على الباب.

"رينا، هل استيقظتِ؟"

كان صوت آرثر.

ابتسمت دون أن تشعر.

"ادخل."

فتح الباب ببطء، وتوقف للحظة وهو ينظر إليها.

"حسنًا… يبدو أن الطفلة الصغيرة اختفت أخيرًا."

عبست رينا قليلًا وقالت:

"أنا لست طفلة."

اقترب منها وهو يبتسم وقال:

"لم أقل إنكِ طفلة… لكنك أصبحتِ مختلفة."

لم تفهم إن كان يقصد ذلك كمزاح أم كحقيقة، لكنها شعرت بالخجل قليلًا، فالتفتت نحو النافذة.

"هل العربة جاهزة؟"

هز رأسه.

"نعم. أبي ينتظرنا في الخارج."

خرج الاثنان من القصر مع أول خيط من الضوء.

كانت العربة الملكية تقف أمام البوابة، والضباب الخفيف يملأ الطريق المؤدي خارج المملكة.

إيان وقف ينظر اليها بفخر

" انه يوم جديد يا زهرتي، ابذلي جهدك."

أومأت رينا و صعدت بهدوء وجلست قرب النافذة، بينما جلس آرثر مقابلها.

بدأت العربة تتحرك ببطء.

لم تتكلم رينا في البداية.

كانت تحدق في الطرقات التي اعتادت رؤيتها منذ طفولتها لكن اليوم كان مختلفًا.

كل شيء بدا وكأنه يبتعد عنها تدريجيًا القصر، الحديقة، الأشجار، وحتى طفولتها نفسها.

"خائفة؟ بعد العطلة"

نظرت إلى آرثر.

فكرت قليلًا، ثم قالت بصوت هادئ:

"لا… لكنني في كل مرة أشعر وكأنني سأدخل عالمًا مختلفًا تمامًا."

ابتسم آرثر وقال:

" ستكونين بخير، ثقي بنفسك."

سارت العربة لساعة كاملة قبل ان تتوقف و عندما فتحت رينا الباب ونزلت.

 توقفت في مكانها دون أن تتحرك المبنى أمامها لم يكن مجرد أكاديمية.

كانت الأكاديمية كما هي دائما أبراج حجرية شاهقة ترتفع نحو السماء، كأنها تحاول لمس الغيوم.

نوافذ زجاجية ضخمة تعكس ضوء الشمس في ألوان غريبة، وكأن الضوء نفسه يحمل سحرًا والبوابة الرئيسية كانت أعلى من أي بوابة رأتْها في حياتها.

لكن أكثر ما جعلها تتجمد في مكانها…هو الشعور.

شعور غريب…شعور مهيب وكأن الهواء نفسه مختلف هنا.

همست دون أن تشعر:

"هذا المكان…دائما..."

نظر آرثر إليها وقال بهدوء:

"يشعركِ وكأنكِ دخلتِ عالمًا آخر، أليس كذلك؟"

هزت رأسها ببطء كان قلبها ينبض بسرعة، لكن ليس خوفًا بل حماس ليوم جديد

دخلت رينا من البوابة ببطء و كان هناك طلاب جدد في كل مكان.

 بعضهم يتحدث بحماس، بعضهم ينظر بتوتر، وبعضهم يراقبها بصمت.

وبعد لحظات فقط، بدأت الهمسات.

"من هذه…؟"

"إنها ابنة الملك…"

"تبدو أصغر مما توقعت…"

شعرت رينا بأن الجميع ينظر إليها في نفس الوقت.

وضعت يدها على القلادة دون أن تشعر، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت في نفسها:

أنا لست هنا كأميرة… أنا هنا كطالبة.

وفي تلك اللحظة، لم تكن رينا تعرف أن هذه البوابة التي عبرتها الآن…ليست مجرد بداية دراستها في الأكاديمية.

بل بداية الطريق الذي سيقودها إلى أعظم سر في مملكة تاريس كلها.

كانت الساحة الرئيسية لأكاديمية تاريس أكبر مما تخيلته رينا.

الطلاب يتحركون في كل اتجاه، أصوات الحديث تختلط مع أصوات.

 خطوات سريعة فوق الأرض الحجرية، والهواء نفسه كان مليئًا بشيء لا يمكن تفسيره.

 طاقة خفيفة تشبه الدفء، لكنها في الوقت نفسه تجعل القلب ينبض أسرع.

وقفت رينا في منتصف الساحة وهي تحاول أن تبدو هادئة.

لكن في الحقيقة، كانت تشعر أن الجميع يراقبها بينما كانت تتلفت وجدت فتيات يتنمر على صديقتها ماريا مرة اخرى.

" ماذا تفعلن؟" قالت رينا بنبرة غاضبة

" أنتن لئيمات."

تهامست الفتيات ، انها الأميرة رينا، لنتسحب ، بقيت رينا حتى ابتعدن المتنمرات و نظرت لماريا

"هل أنتِ بخير؟"

التفتت مباشرة، تمسك حقيبة صغيرة بكلتا يديها وكأنها خائفة أن تسقط.

"أه رينا… نعم. أنا بخير."

ابتسمت رينا و قالت:

" لا تسمحي لهم بتنمر عليك دائما؟؟"

اومأت ماريا بخجل.

ردت رينا

"أنا لست قوية مثلك."

شعرت رينا بالارتياح قليلًا.

" لا عليك نحن صديقات سوف اعتني بك."

اتسعت عينا ماريا و ضحكت

"أنتِ… حقا ابنة الملك"

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

" بما أنني في هنا أنا مجرد طالبة."

ضحكت ماريا بخجل وقالت:

" هذا صحيح."

وقبل أن تتمكن الفتاتان من قول أي شيء آخر، دوّى صوت عميق في الساحة:

"أيها الطلاب الجدد… مرحبًا بكم في أكاديمية تاريس السحرية."

سكت الجميع فورًا حتى الريح توقفت للحظة.

التفتت رينا ببطء نحو مصدر الصوت وكان هناك رجل يقف أعلى الدرج الحجري الكبير.

طويل القامة يرتدي عباءة سوداء طويلة تتدلى منها خطوط فضية خفيفة.

 وشعره الرمادي يتحرك مع الرياح، بينما كانت عيناه حادتين بطريقة جعلت الساحة كلها تبدو أصغر.

همست رينا

" انه معلم لويد."

"أنا لويد."

قالها بهدوء، لكن صوته كان كافيًا ليملأ المكان بالكامل.

"مدير هذه الأكاديمية ، أرحب بكل الطلبة الجدد."

"أيها الطلاب الجدد."

قال لويد وهو يستدير نحو الساحة.

"أكاديمية تاريس ليست مكانًا للموهوبين فقط… بل مكان لمن يملكون الشجاعة و حب السحر."

بعد الخطاب الترحيبي دخلت رينا قاعة الدروس ببطء وهي تحاول إخفاء توترها.

لم تكن القاعة عادية مثلما توقعت ، الجدران لم تكن مجرد حجارة رمادية، بل كانت منقوشة برموز سحرية خافتة.

 تتوهج بلون أزرق ناعم، وكأن المكان نفسه يراقب الطلاب.

وقفت أمام الباب للحظة قبل أن تدخل و نظرت لماريا.

"هل أنتِ خائفة؟"

التفتت بسرعة.

كانت ماريا تقف خلفها، تمسك كتبها بكلتا يديها وكأنها تخاف أن تسقط منها.

" اممم قليلاً اشعر دائما بهيبة المكان."

حاولت رينا تشجيعها

" مما انت خائفة؟ كل شيء على ما يرام."

أجابت وهي تنظر إلى القاعة:

"من أن أفشل."

امسكت رينا يدها

" لا تقلقي أنا معك."

و دخلت الفتاتان معًا وجلسَتا في الصف الأوسط.

بعد لحظات، فُتح الباب فجأة ودخل المعلم رجل طويل بملامح صارمة، وعينين حادتين كأنهما تستطيعان قراءة أفكار كل طالب في القاعة.

توقف أمام السبورة السحرية وقال بصوت هادئ لكنه قوي:

"أنا مارك أستاذ السحر الدفاعي… والدرس اليوم لن يكون سهلًا."

سكتت القاعة تمامًا.

ثم رفع يده، وفجأة ظهرت دروع سحرية شفافة في الهواء أمام الطلاب.

"السحر ليس قوة للهجوم فقط. السحر الحقيقي هو القدرة على استعمال تعاويذ الحماية ."

شعرت رينا بشيء يتحرك في قلبها.

لم تفكر في القتال… بل فكرت في آرثر… وفي والدها… وفي والدتها التي لم تعد هنا.

"حسنًا… من يريد المحاولة أولًا؟"

سكت الجميع.

ثم فجأة، رفعت رينا يدها دون أن تشعر و وقفت في منتصف القاعة.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت يدها كما شرح المعلم.

لم تكن متأكدة مما تفعله، لكنها شعرت فجأة بشيء دافئ يمر في جسدها.

 نفس الشعور الذي أحسته عندما ارتدت القلادة لأول مرة.

ثم فجأة ظهرت درع سحرية أمامها لكنها لم تكن مثل دروع الآخرين.

كانت أوسع… وأكثر ثباتًا… ولمعت للحظة بلون بنفسجي خفيف.

سكتت القاعة بالكامل حتى المعلم نفسه لم يتكلم.

ثم قال ببطء:

"انت موهوبة… لكن الموهبة وحدها لا تكفي."

" التدريب مهم ايضاً."

أومأت و بعد انتهاء الدرس، خرجت رينا إلى ساحة الأكاديمية وهي تشعر بمزيج غريب من الفرح والخوف.

"لقد كنتِ مذهلة!" قالت ماريا بحماس.

ابتسمت رينا وقالت:

"أنا لم أفعل شيئًا مميزًا."

لكنها كانت تعرف أن هذا غير صحيح.

وفي الجهة الأخرى من الساحة كانت هناك مجموعة من الفتيات يراقبنها بصمت.

"إذن هذه هي ابنة الملك."

قالت فتاة بشعر احمر داكن بنبرة باردة.

"تعتقد أنها أفضل منا."

ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وأضافت:

"سنرى كم ستبقى قوية."

مر اليوم الدراسي على خير في نهاية الدروس كانت السماء قد تحولت إلى لون برتقالي هادئ عندما غادرت رينا بوابة الأكاديمية.

لم يكن اليوم عاديًا بالنسبة لها كان درس سحر ممتع… و صديقة حقيقية تفضي معها يومها… و أول مرة تقف فيها أمام الجميع دون أن تختبئ خلف اسمها كأميرة.

كانت تمشي بجانب آرثر بصمت.

ثم قالت فجأة:

"أخي؟، هل تعتقد أنني كنتُ جيدة اليوم؟"

نظر إليها بابتسامة وقال:

"لم تكوني جيدة فقط… كنتِ شجاعة."

ابتسمت دون أن تشعر.

بعد دقائق، توقفت العربة أمام القصر نزلت رينا بسرعة وكأنها طفلة عادت لتري والدها شيئًا جديدًا تعلمته، وصعدت الدرج الكبير مسرعة.

وعندما دخلت القاعة الكبرى…كان إيان جالسًا بجانب المدفأة.

 يحمل رسالة في يده، لكن عندما رآها رفع رأسه فورًا وابتسم.

نفس الابتسامة التي كانت تجعلها تشعر دائمًا بالأمان.

"أهلًا بعودتكِ، يا رينا. كيف كان يومك؟"

ركضت نحوه وجلست بجانبه مباشرة، ثم بدأت تتكلم بسرعة وكأنها تخاف أن تنسى أي شيء.

"تعلمتُ تعاويذ جديدة! و وجدت المتنمرات مرة اخرى يضايقون ماريا! وكان هناك درس سحر دفاعي، واستطعتُ تكوين درع سحرية!"

كان إيان يستمع بهدوء، وعيناه مليئتان بالفخر داعب شعرها

"أنا سعيد لأنكِ بدأتِ تجدين مكانكِ في الأكاديمية… هذا هو المكان الذي ستتعلمين فيه الكثير عن نفسك."

شعرت رينا أن قلبها أصبح أخف فجأة لم تكن تحتاج شيئًا أكثر من هذا.

قال بصوت حنون و هو لا يزال يداعب شعرها

" اخبريني عن ماريا."

نظر إليها آرثر وهو يضحك وقال:

" أختي الصغيرة أصبحت بطلة تدافع عن الآخرين أيضًا."

نظرت إليه بتحدٍّ صغير وقالت:

"لقد دافعتُ عن ماريا من المتنمرات اليوم."

رفع إيان حاجبيه بدهشة خفيفة، لكنه لم يوبخها.

بل قال بهدوء:

"القوة الحقيقية تكمن في حماية من يحتاج، أحسنتِ يا زهرتي."

اليوم التالي كانت ساحة الأكاديمية أكثر هدوءً من المعتاد في ذلك الصباح.

الطلاب يتحدثون في مجموعات صغيرة، لكن كان هناك شيء مختلف في الجو… شيء جعل رينا تشعر بعدم ارتياح منذ اللحظة التي دخلت فيها.

انفتح باب الأكاديمية الكبير ودخلت فتاة لم يرها أحد من قبل.

شعرها ذهبي طويل ينساب حتى منتصف ظهرها، وعيناها بلون ازرق غريب، وملامحها هادئة… هدوء غير طبيعي.

توقفت كل الأحاديث و حتى الهواء نفسه بدا وكأنه صمت.

من هذه؟" همست ماريا.

لكن رينا لم تجب.

كانت الفتاة تمشي ببطء وكأنها لا تهتم بنظرات الجميع، ثم توقفت فجأة…أمام آرثر.

ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:

"تحياتي سمو ولي العهد آرثر."

تجمد آرثر في مكانه.

"هل نعرف بعضنا؟"

هزّت رأسها بلطف.

"أنت مشهور هنا ."

"أنا نايا ابنى الدوق إلياس."

قالتها بهدوء، ثم مدت يدها نحو آرثر تردد لحظة… لكنه صافحها في النهاية.

"أنا آرثر."

ابتسمت نايا.

لم يكن أحد يتوقع أن تتحول نايا بهذه السرعة إلى واحدة من أفضل طلاب المية.

منذ اليوم الأول، كانت تجيب عن أسئلة المعلمين بثقة، وتفهم التعاويذ أسرع من الجميع.

حتى في التدريب القتالي لم تكن تتردد أو تخاف مثل باقي الطلاب الجدد.

لكن ما جعل الجميع يحبها لم يكن قوتها فقط…بل طيبتها.

كانت تبتسم للجميع، تساعد الطلاب الذين لا يفهمون الدروس.

 ولا تتصرف أبدًا بتكبر رغم أن الجميع أصبح يتحدث عنها.

"إنها لطيفة جدًا، أليس كذلك؟" قالت ماريا وهي تنظر نحوها.

نظرت رينا بصمت لم تستطع أن تكرهها وهذا ما أزعجها أكثر.

في ساحة التدريب، كان آرثر يقف أمام هدف خشبي وهو يحاول تنفيذ حركة جديدة، لكنه أخطأ للمرة الثالثة.

"أنت تستخدم قوتك أكثر مما يجب."

التفت بسرعة.

كانت نايا تقف خلفه، تبتسم ابتسامة هادئة.

"ماذا تقصدين؟"

اقتربت خطوة وقالت بلطف:

"حاول أن تتحرك بخفة… ليس بقوة."

تردد لحظة، ثم أعاد المحاولة.

ونجحت الحركة هذه المرة.

نظر إليها بدهشة.

"لقد نجحت!"

ضحكت بخفة وقالت:

"أنت قوي… لكنك تحتاج فقط أن تثق بنفسك."

شعر آرثر بشيء غريب في صدره.

بينما كانت تراقب قاطعها صوت من الخلف

" سمو الأميرة رينا."

نظرت و وجدت رين يحمل كتاب كبير.

" ماذا تفعلين هنا."

ابتسمت رينا

" لا شيء ماذا يفعل رين هنا؟."

ابتسم رين بهدوء

" جئت لرؤية آرثر."

داعب شعرها و توجه لآرثر.

في تلك اللحظة، شعرت رينا بشيء جديد.

في أحد الأيام، أثناء تمرين سحري مشترك بين الطالب، تم تكليفهم بالتعاون لحل لغز سحري معقد.

تم وضع آرثر مع نايا في نفس الفريق، و كان عليهم العمل معاً لتجاوز التحديات.

في تلك اللحظة، شعر آرثر بأنه قريب منها أكثر من أي وقت مضى.

بدأت المحادثات بينهما تتدفق بشكل طبيعي كانت نايا تبدي احترام كبير لمهارات آرثر.

وبدأت هي الأخرى تشعر بأن هناك شيء مميز بشأنه.

كانت تضحك على تعليقاته اللطيفة، وابتسامتها الجميلة زادت من إعجاب آرثر بها.

مع مرور الوقت، أصبح آرثر أكثر جرأة في الاقتراب من نايا، كانا يتحدثان كلما التقيا.

خلال فترة الاستراحة بين الحصص، جلست رينا مع صديقتها ماريا في ساحة الأكاديمية المزينة بالأشجار والنوافير.

كان الجو هادئًا ومريحًا، وكان بإمكانهم سماع أصوات الطيور في الخلفية.

"هل استمتعتِ بيومكِ؟" سألت رينا وهي تتناول شطيرة صغيرة.

ابتسمت ماريا بخجل وقالت: "نعم، بفضلكِ. لم أعتقد أبدًا أنني سأجد صديقة هنا."

ردت رينا بحماس: "وأنا أيضًا. لكنني سعيدة بأننا التقينا. يجب علينا دائمًا أن ندعم بعضنا البعض."

بينما كانت الفتاتان تتحدثان وتضحكان، لاحظتا مجموعة من الفتيات يقتربن من ماريا مرة أخرى.

كانت نفس المجموعة التي حاولت التنمر عليها في اليوم الأول.

بدت ماريا متوترة، لكن رينا لم تفقد هدوءها وقفت بثبات بين ماريا والفتيات.

"ألم تتعلمن الدرس في المرة الماضية؟" قالت رينا بصوت قوي وواثق.

نظرت إحدى الفتيات إلى رينا بازدراء وقالت:

 "من تظنين نفسكِ؟ لا يمكنكِ أن تحملي الجميع على احترامكِ فقط لأنكِ ابنة الملك."

ابتسمت رينا بهدوء وقالت: "أنا لا أطلب الاحترام منكم. لكن إذا كنتم ستستمرن في إزعاج ماريا، فسوف تضطررن للتعامل معي."

تبادلت الفتيات النظرات، ثم تراجعن أخيرًا دون مزيد من الكلام.

 كانت تشعر ماريا بخير و بأنها ليست وحدها.

"شكراً لكِ، رينا... لولاكِ، لكانت الأمور أسوأ بكثير."

 قالت ماريا بنبرة ممتنة.

ردت رينا بلطف: "نحن صديقات، وسأظل دائمًا هنا لدعمكِ."

بعد الدروس و مع نهاية اليوم، بدأت رينا تشعر بالتعب، لكن قلبها كان مليئًا بالفخر.

 لقد تمكنت من مساعدة صديقتها، واكتسبت المزيد من الثقة في نفسها وفي قدراتها و كان آرثر ينتظرها عند بوابة الأكاديمية كما يفعل كل يوم.

كانت نظراته مليئة بالفخر والأخوة.

"كيف كان يومكِ، أختي الصغيرة؟" سأل آرثر بابتسامة عريضة.

"كان يومًا جيدًا، تعلمت الكثير وتعرفت على المزيد من التعاويذ وأيضًا، لقد تصديت للمتنمرات اللاتي حاولن إيذاء ماريا مجددًا." قالت رينا بفخر.

ضحك آرثر وقال: "أنتِ تزدادين شجاعة يومًا بعد يوم."

عندما عادت رينا وآرثر إلى القصر، وجدا والدهم، الملك إيان، ينتظرهما في القاعة الكبيرة.

كان يجلس بهدوء بجانب المدفأة، مستغرقًا في قراءة بعض الرسائل الملكية. رفع بصره عندما دخلا الغرفة.

"أهلاً بعودتكما كيف كان يومكما؟" سأل إيان وهو يبتسم.

جلست رينا بجانبه وبدأت تروي تفاصيل يومها بحماس. تحدثت عن دروسها الجديدة وعن مغامراتها مع ماريا.

كان إيان يستمع بانتباه، ويبدو فخورًا بكل ما حققته ابنته الصغيرة.

رد إيان برضى: "هذا رائع. الصداقات الحقيقية نادرة وثمينة. اهتمي بها جيدًا."

أومأت رينا و بعد العشاء، جلست الأسرة معًا في صالة القصر، يتبادلون الأحاديث عن يومهم.

 كانت تلك اللحظات العائلية هي التي تشعر رينا بالأمان والراحة، خاصة بعد فقدان والدتها إلينورا.

لقد كانت تقدر كل لحظة تقضيها مع والدها وأخيها.

عندما وصلت رينا إلى الأكاديمية في صباح اليوم التالي، لاحظت شيئًا غريبًا في أجواء المكان.

كانت الهمسات تنتشر بين الطلاب، والعديد منهم كانوا ينظرون نحوها بنظرات قلقة.

 شعرت وكأن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث، لكنها لم تستطع تحديد ماهيته.

خلال فترة الغداء، لاحظت رينا أن المتنمرات يجلسن بعيدًا، يتبادلن النظرات مع بعضهن البعض ويتحدثن بصوت منخفض.

كانت تدرك أنهن يخططن لأمر ما، لكن ما هي خطتهن؟

بينما كانت رينا تتناول غداءها مع ماريا في الساحة الخارجية، شعرت بشيء غريب.

فجأة، سمعت صرخة من أحد الطلاب التفتت بسرعة لترى مجموعة من الطلاب متجمعين حول أحد الفصول الدراسية. ركضت رينا نحو المكان لترى ما يحدث عندما وصلت، وجدت أن غرفة التدريبات السحرية قد أصبحت في حالة فوضى عارمة.

 الزجاج المحطم والتعاويذ الفوضوية كانت في كل مكان. كان من الواضح أن انفجارًا سحريًا قد وقع داخل الغرفة.

"من فعل هذا؟" تساءلت ماريا وهي تحاول فهم الموقف.

أحد الطلاب القلقين قال: "يقولون أن هذا بسبب رينا. سمعنا أن التعاويذ المستخدمة كانت من تخصصها."

صُدمت رينا، وسرعان ما أدركت أن هذه كانت جزءًا من المؤامرة. المتنمرات قمن بإعداد هذا الانفجار لإيقاعها في مشكلة كبيرة.

في تلك اللحظة، دخل أحد الأساتذة إلى الغرفة وبدأ يصرخ: "من المسؤول عن هذه الفوضى؟"

وقبل أن تتمكن رينا من الدفاع عن نفسها، قامت إحدى المتنمرات، التي تُدعى كاترينا، بالاقتراب وقالت:

"لقد رأيت رينا تخرج من هذه الغرفة قبل دقائق قليلة من الانفجار."

شعرت رينا بالغضب يشتعل داخلها، لكنها حافظت على رباطة جأشها.

"هذا ليس صحيحًا كنت في الساحة طوال فترة الغداء مع ماريا."

ردت كاترينا بابتسامة خبيثة: "الجميع هنا يعرف أنكِ قوية في السحر، وربما فقدتِ السيطرة على إحدى تعاويذك."

كان واضحًا أن كاترينا والمتنمرات الأخريات قد خططن بعناية لإيقاع رينا في هذه المؤامرة.

رفعت رينا رأسها بثقة وقالت: "أنا لم أفعل هذا. إذا أردتم إثباتًا، يمكننا مراجعة تعاويذ الحماية الخاصة بالأكاديمية. يوجد نظام سحري يحفظ جميع الأحداث المهمة، وسيظهر بوضوح من كان في الغرفة وقت الانفجار."

كانت تلك اللحظة حاسمة إذا استطاعت رينا إثبات براءتها، فإن المتنمرات سيفشلن في خطتهن.

 وإذا لم تتمكن من ذلك، فقد تُعاقب بشدة وربما تُطرد من الأكاديمية.

بدأت ملامح القلق تظهر على وجه كاترينا لم تكن تتوقع أن تقترح رينا استخدام نظام الحماية السحري.

وافق الأستاذ على اقتراح رينا وقرر استدعاء أحد الأساتذة الكبار المتخصصين في سحر التوثيق.

و بعد بضع دقائق من الفحص، تأكدوا من أن رينا لم تكن في الغرفة وقت وقوع الانفجار.

بعد التحقيق، تم الكشف عن الحقيقة.

كانت كاترينا والمتنمرات قد دخلن الغرفة وأطلقن تعاويذ فوضوية لإحداث الانفجار وإلقاء اللوم على رينا.

تم استدعاء كاترينا والمتنمرات الأخريات أمام هيئة التدريس.

 و واجهن عقوبات صارمة نتيجة لمحاولتهن إيذاء رينا وتشويه سمعتها.

في النهاية، تم تبرئة رينا بالكامل، واستعادت ثقتها بنفسها وبموقعها في الأكاديمية.

 شعرت بأن الأمور عادت إلى طبيعتها، ولكنها أدركت أيضًا أن عليها أن تكون أكثر حذرًا في المستقبل.

عندما عادت رينا إلى القصر ذلك المساء، كانت متعبة جسديًا وذهنيًا.

لكن والدها إيان و لويد كانا ينتظرانها في القاعة الكبيرة.

كانا يعرفان أنها مرت بيوم عصيب في الأكاديمية، وكانا مستعدين لدعمها.

"هل كل شيء على ما يرام؟" سأل إيان وهو ينظر إليها بقلق.

أجابت رينا بابتسامة صغيرة: "نعم، لقد حاولوا الإيقاع بي، لكنني أثبتت براءتي."

ضمها إيان بحنان وقال: "أنا فخور بكِ. أنتِ قوية وشجاعة، وهذا ما يميزكِ."

قال لويد " هذه تلميذتي."

بعد سماع ما حدث لرينا شعر إيان بالغضب والقلق في الوقت نفسه.

 لم يكن الحادث مجرد محاولة للإيقاع بابنته، بل كان اعتداءً مباشرًا على العائلة الملكية نفسها.

 كان هذا التحدي ليس فقط تهديدًا لرينا كفرد، بل كان يهدف إلى زعزعة مكانة الأسرة الحاكمة في تاريس.

قرر إيان أنه لا يمكنه الوقوف مكتوف الأيدي أمام مثل هذه المؤامرات.

كان يعرف أن الحادثة قد تكون جزءًا من خطة أوسع لتقويض سلطة العائلة الملكية.

 لم يكن هناك مجال للتساهل أو التسامح مع أولئك الذين يحاولون إيذاء أسرته، سواء في العلن أو الخفاء.

أما آرثر، فقد ازداد تعلقه برينا بعد هذه الحادثة. كان يعتبرها جزءًا من مسؤولياته كأخ أكبر، وأن يحميها مهما كانت الظروف.

مع مرور الأيام، بدأت لقاءات رين و رينا تتكرر بشكل غير متوقع.

سواء في المكتبة حيث كانت تقرأ النصوص القديمة، أو في ساحة التدريب كانا يتبادلان الأحاديث بشكل أكبر.

في البداية، كانت هذه الأحاديث تدور حول السحر والتدريبات.

 لكنها بمرور الوقت تطورت إلى أحاديث شخصية و اكتشف رين انها تحمل في قلبها حنانًا كبيرًا، خاصة تجاه عائلتها.

كانت دائمًا تتحدث عن والدها إيان وعن آرثر بفخر، وتُظهر اهتمامًا كبيرًا برفاهية الجميع من حولها.

كانت رينا تحمل تلك الهالة التي تجمع بين القوة واللطف، وهو ما جعله يشعر براحة غريبة بالقرب منها.

في إحدى الأمسيات، عندما كانت الأكاديمية تستعد لاحتفال سنوي، التقى رين و رينا مصادفة في الحدائق الخلفية للأكاديمية.

كانت الأجواء هادئة، والسماء مليئة بالنجوم جلسا سويًا على مقعد حجري تحت شجرة قديمة.

 بدأت رينا بالتحدث عن حياتها، وكيف تشعر بالمسؤولية تجاه تحقيق أحلامها وحماية عائلتها.

قالت بابتسامة:

 "أحيانًا أشعر أنني أحمل الكثير على عاتقي. لكنني أريد أن أصبح قوية، مثل آرثر ووالدي."

نظر إليها رين وأجاب بهدوء:

"أنت بالفعل قوية، رينا. لديك القوة التي لا تأتي من السحر فقط، ولكن من قلبك."

كانت تلك الكلمات تلامس شيئًا في قلب رينا نظرت إلى رين ورأت في عينيه شيئًا مختلفًا.

 شعرت لأول مرة بأن مشاعرها تجاهه قد تغيرت.

 وأن هناك رابطًا يتشكل بينهما، ليس فقط كأصدقاء أو زملاء، بل كشخصين يقتربان ببطء من بعضهما البعض.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الفصل الثالث عشر ظل في الأكاديمية

استيقظت رينا قبل شروق الشمس بقليل لم يكن هناك صوت في القصر. حتى الطيور لم تستيقظ بعد، لكن قلبها كان ينبض بسرعة غريبة. فتحت عينيها وحدقت في ...