مرّت أربع سنوات على آخر معركة مع موركار، سنوات من السلام لم تعرفها تاريس منذ قرون.
كانت الشمس تشرق كل صباح على أسواق تعج بالحركة، وحقول تمتد خضراء حتى تخوم الغابات، وأطفال يركضون في الساحات يلعبون بسيوف خشبية أو يطلقون شرارات سحرية صغيرة تحت إشراف معلميهم.
إيان، الذي أتمّ السادسة والثلاثين من عمره، كان لا يزال يجلس على عرش تاريس بوقار الملوك الحكماء، لم يعد الملك الشاب الذي يقاتل في الصفوف الأولى، بل صار ملكًا عادلًا يدير المملكة بحكمة، ويعدّ ابنه ليحمل الراية من بعده.
آرثر، ذو الستة عشر ربيعًا، كان قد صار فارسًا رائعاً ، طوله زاد و كاتفاه اتسعتا مع التمرين، و عيناه الزرقاوان تحملان زرقة أمه وثبات أبيه.
كان يقود فرسان روزالين بثقة، ويجلس في مجلس النبلاء بجانب إيبه.
أما رينا... كانت رينا، أميرة تاريس، على وشك إتمام عامها الثالث عشر.
في تلك السنوات الأربع، تحولت الطفلة البريئة التي كانت تبكي خوفًا على شرفة القصر إلى فتاة ناعمة الملامح، مشرقة الوجه.
شعرها الأسود اللامع كان ينسدل على كتفيها كحرير الليل، وعيناها البنفسجيتان اللتان ورثتهما من أبيها و روزالين نفسها كانتا تلمعان بذكاء و اللطف.
كانت تقضي ساعات طويلة في حدائق القصر، تتحدث مع الأزهار فتنمو، وتهمس للطيور فتحط على كتفيها.
تعلمت من لويد فنون السحر الطبيعي، ومن والدها دروس الشجاعة والإيمان، ومن ذكرى أمها... الحب.
وفي روحها، كان لا يزال ذلك النور البنفسجي الذي أضاء تاريس في أحلك لياليها.
قبل أسبوع من عيد ميلادها الثالث عشر، استيقظت رينا فجرًا على صوت النوافذ ترفرف بلطف.
نهضت من سريرها الوثير، واقتربت من الشرفة تطل على العاصمة التي تغفو تحت ضباب الصباح الخفيف.
وفجأة، شعرت بدفء في صدرها، تحت قلادتها البنفسجية.
أغلقت عينيها، وهمست: "روزالين... هل أنتِ هنا؟"
ظهر النور المعتاد، وتشكلت هيئة روزالين بجوارها، أجنحتها البيضاء الشفافة تخفق ببطء، وعيناها البنفسجيتان تفيضان حنانًا.
روزالين: "صباح الخير يا رينا الصغيرة... أو هل يجب أن أقول، رينا الكبيرة؟"
ضحكت رينا بخجل: "لم أصبح كبيرة بعد. غدًا سيخبرني الجميع أنني بلغتُ الثالثة عشرة."
ابتسمت لها روزالين " أصبحتِ أكثر جمالاً."
صمتت رينا قليلاً " هل أمي على ما يرام؟"
مدت روزالين يدها لتلمس خدها الصغير و قالت " بالتأكيد و هي دائما تراقبك و تحميك."
ابتسمت رينا أخيراً و تلاشى ضوء روزالين تاركة رينا تتأمل القلادة المتوهجة على صدرها.
في المساء كانت قاعة العرش تزدحم بالنبلاء في ذلك الصباح.
إيان جلس على عرشه، بجانبه آرثر يقف كالنخلة الشامخة، ولويد ولوسيان على يمينه ويساره.
كان الاجتماع اعتياديًا: شؤون الضرائب، إصلاح الطرق، تقارير من الأقاليم.
لكن في نهاية الجلسة، وقف إيان فجأة، وأشار إلى الجميع بالصمت.
إيان: "قبل أن نختتم، لدي إعلان مهم."
نظر حوله ببطء، ثم تابع بصوته العميق الهادئ:
"كما تعلمون، فإن أكاديمية تاريس السحرية كانت منارة العلم في مملكتنا منذ أسستها قبل تسعة عشر عامًا. تخرج منها مئات السحرة الذين خدموا تاريس بإخلاص."
توقف لحظة، ثم قال:
"وحان الوقت... لتبدأ ابنتي، الأميرة رينا، دراستها في الأكاديمية."
ساد القاعة همهمات دهشة. نظر النبلاء إلى بعضهم البعض، البعض ابتسم بإعجاب، والبعض الآخر بدت على وجوههم علامات التردد.
في المساء و في جناحها الخاص، كانت رينا جالسة تقرأ كتابًا عن أساطير شجرة الحياة، حين دق الباب.
دخل والدها بابتسامته الهادئة، وجلس بجانبها على الأريكة المخملية.
إيان: "هل أنت مشغولة يا صغيرتي؟"
رينا (وهي تغلق الكتاب): "كنت أقرأ فقط. ما الأمر يا أبي؟"
نظر إليها إيان طويلاً، كما لو كان يرى فيها أمها، وطفلته الصغيرة التي كانت تركض خلف الفراشات، والفتاة التي وقفت وحدها تحمي قصرًا بأكمله.
إيان: "غدًا ستصبحين في الثالثة عشرة... وفي غضون أيام، ستبدأين دراستك في الأكاديمية."
تسمرت رينا في مكانها. الكتاب كاد يسقط من يديها.
رينا: "الأ... أكاديمية تاريس؟ حقًا؟!"
إيان (مبتسمًا): " نعم يا صغيرتي"
رينا: "هذا رائع"
ابتسم إيان: "اذهبي إلى الأكاديمية، تعلمي، اخطئي، صححي أخطاءك، إكبري... لكن تذكري دائمًا أبواب هذا القصر، وقلبي، مفتوحة لكِ في أي وقت."
أومأت رينا برأسها، وهي تكتم شهقاتها:
"سأجعلك فخورًا بي، يا أبي. أعدك."
ابتسم إيان، ومسح دموعها بإبهامه:
"أنتِ بالفعل تجعلينني فخورًا، يا زهرة تاريس."
كان صباح عيد الميلاد مشرقًا بشكل استثنائي.
السماء صافية كلازورد، والشمس توزع خيوطها الذهبية على أسوار القصر، وكأن الطبيعة نفسها تحتفل بيوم الأميرة.
الخدم يركضون في الممرات وهم يزينون القاعة الكبرى بآلاف الزهور البنفسجية والبيضاء، والموسيقيون يدندنون بألحان جديدة خصيصًا لهذه المناسبة.
في جناحها، وقفت رينا أمام المرآة الطويلة، ترتدي فستانًا من الحرير الأبيض مطرزًا بخيوط فضية وبنفسجية، ينسدل برقة حتى كاحليها.
شعرها الأسود اللامع كان مسرحًا، ينساب على كتفيها كشلال هادئ، وتعلوه تاج صغير من الفضة المرصعة بأحجار بنفسجية نادرة.
وعلى صدرها، كانت قلادة روزالين تتوهج بخفوت.
دخلت مارينا، جدتها، حاملة صندوقًا خشبيًا عتيقًا.
مارينا: "عيد ميلاد سعيد يا حلوتي هذه هديتي لكِ، يا حبيبتي."
فتحت رينا الصندوق، فوجدت داخله مشطًا من عرق اللؤلؤ، منقوشًا عليه فراشات صغيرة.
مارينا: "كان هذا المشط لأمك، كان المفضل لديها احتفظت به بعد وفاتها و الآن أقدمه لك."
أمسكت رينا بالمشط وكأنه جوهرة لا تقدر بثمن، وضمته إلى صدرها:
"شكرًا لكِ، جدتي... سأحتفظ به إلى الأبد."
بعدها، دخل آرثر بزيّه الرسمي، ووقف خلفها ينظر في المرآة:
"ألا تخجلين من أن تظهري أجمل من أخيك في عيد ميلادك؟"
ضحكت رينا: "لا، على الإطلاق. هذه فرصتي الوحيدة."
أخرج آرثر من جيبه علبة صغيرة مخملية:
"هذه هديتي. افتحيها لاحقًا، عندما تكونين وحدك. لا أريد أن يراني أحد وأنا عاطفي."
نظرت إليه رينا بمكر: "هل تخاف أن يرى الجنود دموع القائد آرثر؟"
زم آرثر شفتيه: "أنا لا أبكي. أبدًا." لكن عينيه كانتا تلمعان.
في القاعة الكبرى، وقف إيان بجانب العرش، يرتدي عباءته الزرقاء المطرزة بالذهب، وتاجه الخفيف على رأسه.
بجانبه وقف لويد، ولوسيان، وقادة فرسان روزالين، وجموع النبلاء المدعوين.
وحين فُتح الباب، ودخلت رينا متكئة على ذراع جدتها مارينا، ساد الصمت القاعة كلها.
لم تكن مجرد فتاة في الثالثة عشرة ، كانت أميرة، لكنها كانت أكثر من ذلك.
كانت ذكرى أمها التي لم ترها عيون كثيرة، لكنها شعرت بحضورها في كل خطوة تخطوها.
تقدمت رينا نحو والدها، وانحنت له انحناءة احترام، ثم رفعت رأسها مبتسمة.
إيان رفع يده، وأشار للحضور بالجلوس، ثم قال بصوت جهوري "أيها النبلاء، أيها الأصدقاء... منذ ثلاثة عشر عامًا، وهبتني روزالين هدية اغلى من كنوز الأرض، رينا، ابنتي، زهرة تاريس."
نظر إليها بحب "يا رينا... أنتِ لستِ مجرد أميرة. أنتِ أمل هذه المملكة، ونور روزالين الذي لا ينطفئ. اذهبي إلى الأكاديمية، تعلمي، واجعلي من نفسكِ قائدة كما كنتِ دائمًا، ولتحظي بعيد ميلاد سعيد."
بدأت الموسيقى بالعزف و الرقصات ، رينا رقصت رقصتها الأولى مع أبيها و بعدها آرثر.
كانت مستمتعة بالحفل تنال التبريكات و الهدايا و بعد انتهاء المراسم وقفت رينا على شرفة القصر الكبرى، تنظر إلى الأفق البعيد حيث تلوح أبراج أكاديمية تاريس.
اقترب منها لويد بهدوء، ووقف بجانبها صامتًا لحظة.
لويد: "أتعرفين... قبل منذ تسعة عشر عامًا، كنت أنظر إلى أبيك وهو يغادر إلى أول مغامرة له. كان في مثل عمرك تقريبًا و أنا كنت برفقته."
رينا: "وكيف كان يشعر؟"
لويد (مبتسمًا): "خائفًا. متحمسًا. متأكدًا أنه سيفشل... ومصممًا ألا يفعل."
نظرت إليه رينا: "وماذا قلت له؟"
لويد: "قلت له إن الخوف لا يعني الضعف و ما دام لديك أصدقاء ستكون بخير"
صمتت رينا لحظة، ثم أخرجت علبة آرثر المخملية وفتحتها.
داخلها كان بروش صغير من الفضة، على شكل فراشة، مرصع بحجر أزرق صافٍ كلون عيني أمها.
تذكرت كلمات آرثر: "لتتذكري دائمًا... أنتِ لستِ وحدك أبدًا."
ارتدت البروش، وشعرت بدفء غريب يملأ صدرها.
في تلك اللحظة، غابت الشمس خلف الغيوم، وألقت بظلالها الذهبية على العاصمة.
وكانت رينا تعلم أن الغد سيبدأ رحلة جديدة لكنها لم تكن خائفة ، لقد كانت مستعدة.
في المساء، جلست العائلة حول المائدة المستديرة في غرفة الطعام الخاصة.
إيان، آرثر، رينا، مارينا، لويد، ولوسيان ، كان الجو دافئًا، مليئًا بالضحكات والذكريات.
قال لوسيان بصوته الخشن الحنون:
"أتذكر عندما كنتِ لا تصلين إلى مقبض الباب، يا رينا. والآن ستدخلين الأكاديمية..."
ضحكت رينا: "لكن الذكريات تبقى، يا عم لوسيان."
أومأ برأسه: "هذا صحيح. وهذا أجمل ما فيه."
أما مارينا، فقد كانت تحدق في رينا بعينين دامعتين، وكأنها ترى ابنتها إلينورا في كل تفصيلة من وجه حفيدتها.
مدّت يدها المرتعشة وأمسكت بيد رينا:
"أمك... كانت في السادسة عشرة عندما التقت بوالدك لأول مرة لم تكن تعلم أن ذلك اللقاء سيغير حياتها... وحياة مملكة بأكملها."
ابتسمت رينا: "أعلم، جدتي. أخبرني أبي القصة."
مارينا: "لكنكِ لم تسمعيها مني. دعيني أرويها لكِ... كما حدثت حقًا."
وجلست العائلة تستمع إلى مارينا تروي قصة الحب التي بدأت تحت شجرة الحياة، وتحت ضوء القمر، ومع فتاة بسيطة كانت تحلم بأن تصبح أميرة.
وكانت رينا تعلم، في أعماقها، أن قصتها هي أيضًا بدأت.
ربما لم تكن تحت ضوء القمر ربما لم تكن مع أمير.
لكنها كانت تبدأ غدًا في أكاديمية تاريس ، بين الكتب، والتعاويذ، والأصدقاء الجدد.
ومع وعد بأنها ستصنع لنفسها اسمًا... ليس لأنها ابنة إيان، أو ابنة إلينورا بل لأنها رينا...فقط رينا.
ومع خيوط الفجر الأولى، أيقظتها أشعة الشمس الذهبية.
نهضت، ارتدت زي الأكاديمية الرسمي، وربطت شعرها بشريط أزرق أهداها إياه آرثر.
وقفت أمام المرآة، حدقت في وجهها للحظة ، كانت ترى ملامح أمها في عينيها، وملامح أبيها في ثبات نظرتها.
لكنها كانت ترى أيضًا... نفسها.
فتاة شابة على وشك صنع مستقبلها.
فتحت باب غرفتها، وسارت في الممرات الطويلة نحو بوابة القصر.
كان إيان في انتظارها، بجانبه آرثر ولويد.
قال إيان: "هل أنتِ مستعدة؟"
أومأت برأسها: "مستعدة."
ركبت العربة الملكية، ونظرت من النافذة إلى القصر يبتعد شيئًا فشيئًا.
لم تكن تبكي...كانت تبتسم لأنها كانت تعلم أن هذا ليس وداعًا بل بداية.
عند بوابات أكاديمية تاريس، وقف الطلاب في صفوف منظمة لاستقبال الأميرة.
المبنى الضخم من الحجر الأبيض، تعلوه أبراج زرقاء تلامس السحاب، وأشجار البنفسج تحيط به من كل جانب.
ترجلت رينا من العربة، ووقفت أمام البوابة الحديدية المزخرفة بفراشات من نور.
التفتت إلى لويد الذي رافقها:
"هل تتذكر أول يوم جئت فيه إلى هنا؟"
ابتسم لويد: "بالتأكيد. كان المكان أصغر بكثير، والطلاب أقل. لكن الروح... كانت نفسها."
رينا: "وماذا شعرت؟"
لويد: "شعرت بالحماس."
نظرت رينا إلى البوابة، ثم خطت خطوتها الأولى داخلها.
كان أول درس لها في فصل السحر الدفاعي، حيث تعرفت على كيفية إنشاء دروع سحرية لحمايتها من الهجمات.
الأستاذ كان صارمًا، لكنه أبدى إعجابًا بقدرة رينا على تعلم التعاويذ بسرعة.
المعلم "لديك موهبة فِطرية يا آنسة رينا ولكن تذكري، الموهبة وحدها لا تكفي، عليكِ أن تعملي بجد لتطويرها"، قال الأستاذ وهو يراقبها وهي تُتقن تعويذة الحماية.
بعد انتهاء الدروس الصباحية، حان وقت استراحة الغداء.
شعرت رينا بالتوتر قليلاً، إذ لم تكن تعرف الكثير من الطلاب بعد.
دخلت إلى ساحة الأكاديمية حيث كان الطلاب يتناولون الطعام ويتحدثون معاً في مجموعات صغيرة ، جلست بمفردها على الطاولة .
وبدأت تتناول طعامها و تفكر " إن المعلم كان صارم الأشياء التي تعلمتها اليوم كلها سهلة ، مع ذلك يجب أن لا أُظهر قوتي الحقيقة و أنني على اتصال بروح تاريس روزالين و أن أخفي بأنني مباركة من شجرة الحياة."
خلال استراحة الغداء، لاحظت رينا فتاة صغيرة تجلس بمفردها في الزاوية، يبدو عليها الخجل والاضطراب ، كانت الفتاة تحاول تناول طعامها بصمت، لكن مجموعة من الطلاب الأكبر سنًا بدأوا بالسخرية منها.
"ماذا تفعلين هنا؟ هل تعتقدين أن بإمكانكِ أن تكوني جزءًا من هذه الأكاديمية؟" قال أحد الطلاب بنبرة متعالية.
الفتاة حاولت تجاهلهم، لكن رينا شعرت بالغضب من هذا التصرف فلم تستطع الوقوف مكتوفة الأيدي و قررت التدخل.
"توقفوا عن ذلك!" قالت رينا بصوت قوي وهي تقترب من الطاولة "كل شخص هنا لديه الحق في أن يكون جزءًا من الأكاديمية، سواء أكان قوياً أو ضعيفاً ، السحر لا يتعلق بالقوة فقط، بل بحبه و تعلمه الجميع يمكنه تعلم السحر."
نظرت المجموعة إليها بدهشة، ثم ضحك أحدهم وقال:
"ومن تكونين لتلقنينا دروسًا؟"
ردت رينا بثقة: "أنا رينا، ابنة الملك إيان، وأخت و لي العه آرثر. وإذا كنت ترغب في مواصلة هذا السلوك، فسأكون سعيدة بإبلاغ الأساتذة."
تراجع الطلاب المتنمرون فورًا، وتركوا الفتاة وشأنها.
جلست رينا بجوار الفتاة وسألتها بلطف: "هل أنتِ بخير؟"
الفتاة نظرت إليها بتقدير وابتسامة خجولة وقالت: "شكرًا لكِ، لم يكن عليّ أن آتي إلى هنا اليوم فأنا لست قوية مثلك."
ردت رينا بابتسامة دافئة: "القوة ليست كل شيء. المهم أن تؤمني بنفسكِ، وسنكون أصدقاء إذا أردتِ سأدعمكِ دائمًا ما رأيكِ؟."
ردت الفتاة الخجولة " هل يمكنني حقاً أن أصبح صديقة لإبنة الملك! "
أمسكت رينا بيدها و إبتسمت قائلة " بتأكيد فنحن كلانا طالبتين هنا ".
و منذ ذلك اليوم، بدأت صداقة جديدة بين رينا والفتاة "ماريا"، وكانت ابنة أحد العائلات النبيلة الصغيرة في تاريس.
مع مرور الأيام أصبحت رينا وماريا لا تنفصلان و كانت رينا سعيدة بحصولها على أول صديقة في حياتها الأكاديمية.
مرت الأشهر، وتعلمت رينا الكثير.
لم تكن الدروس في السحر فقط، بل في القيادة، والتاريخ، والفلسفة، وحتى فن التفاوض.
لكن أهم ما تعلمته كان خارج الفصول الدراسية.
تعلمت أن الصداقة الحقيقية لا تفرض، بل تُبنى حجرًا حجرًا.
تعلمت أن الضعف ليس عيبًا، بل قوة حين نعترف به.
وتعلمت أن نور روزالين في داخلها لم يكن فقط للسحر والحرب، بل للسلام أيضًا.
في إحدى الليالي، بينما كانت تنام في سكن الطالبات، حلمت بروزالين من جديد.
ظهرت الإلهة كما كانت دائمًا: جميلة، هادئة، وعيناها تفيضان حكمة.
روزالين: "كيف تسير رحلتك يا رينا الصغيرة؟"
رينا: "أتعلم... كنت أظن أن القوة تعني التحكم بالسحر، أو هزيمة الأعداء. لكنني أدركت الآن أنها تعني شيئًا آخر."
روزالين: " حقاً ، ماذا تعلمتِ؟"
رينا: "أن تظل صادقًا مع نفسك، حتى عندما يكون من الأسهل أن تكون شخصًا آخر."
ابتسمت روزالين ابتسامة نادرة، مليئة بالفخر:
"الآن... أنتِ مستعدة حقًا."
مرت الأشهر وجاء اليوم المنتظر ، إجازة منتصف العام الدراسي.
عادت رينا إلى القصر في عربة ملكية، تطل من النافذة بفارغ الصبر.
وعند بوابات القصر، كان إيان وآرثر ومارينا في انتظارها.
قفزت من العربة قبل أن تتوقف تمامًا، وركضت نحو والدها الذي فتح ذراعيه على مصراعيهما.
قال إيان وهو يضمها: "مرحبًا بعودتكِ، يا زهرتي."
قالت رينا وهي تختنق بالبكاء: "اشتقت إليك كثيرًا، يا أبي."
ضحك آرثر من خلفهما: "أما أنا، فلا أظن أن أحدًا اشتاق إلي."
رفعت رينا رأسها من كتف والدها، ونظرت إلى أخيه بابتسامة ماكرة:
"في الواقع... اشتقت إليك أكثر من أبي."
تظاهر آرثر بالدهشة: "ماذا؟! أنا؟! مستحيل."
بعدها عانقت جدتها كثيرا " اشتقت لك ، جدتي."
ردت مارينا بشوق " أنا أيضاً يا صغيرتي.'
اتجهت ايضا للوسيان " عم لوسيان " عانقته بقوة.
بصوت حنون رد عليها " اهلا بعودتك سمو الأميرة."
و هكذا امتلأ القصر بالدفء من جديد.
في المساء، جلست العائلة حول المائدة كما اعتادوا.
مارينا أعدّت وجبة خاصة بمساعدة الطهاة، ولويد أحضر نبيذًا فاخرًا.
قال لوسيان بصوته العميق:
"يبدو أن الأكاديمية عاملتكِ معاملة حسنة، يا رينا. وجهكِ يشرق."
ابتسمت رينا: "لقد تعلمت الكثير. ليس فقط في السحر، بل في... كل شيء."
نظر إليها إيان بفضول: "مثل ماذا؟"
ترددت رينا لحظة، ثم قالت:
"تعلمت أن أمي لم تكن بحاجة إلى أن تكون أميرة أو ساحرة عظيمة لتكون بطلة. كانت بطلة لأنها اختارت أن تحب، رغم كل شيء."
صمت الجميع.
ثم قال إيان بصوت خافت "نعم... هذا بالضبط ما كانت عليه."
وأضاءت ابتسامة رينا الغرفة أكثر من كل الشموع و تابعت قائلة " صار لدي صديقة لطيفة اسمها ماريا."
ابتسم آرثر، و كيف تعرفت عليها؟"
بدأت رينا تسرد القصة بالتفصيل، موضحة كيف تدخلت عندما كانت ماريا تتعرض للتنمر من بعض الطالب الأكبر سناً.
"لم أستطع الوقوف مكتوفة الأيدي ،كان علي أن أفعل شيئا، ماريا كانت خائفة، لكنني وقفت إلى جانبها وتحدثت للطالب المتنمرين."
كان والدها يستمع بصمت، لكنه بدا فخورا بتصرفها و قال" هذا هو التصرف الصحيح كنت دائماُ لديك الشجاعة و تملكين قلباً نفياً أنتَ رائعة."
ثم أضافت وهي تبتسم: " ماريا فتاة خجولة، لكنها لطيفة جد أعتقد أنها ستكون صديقة رائعة لي."
أومأ آرثر برأسه وقال مازحاً: " يبدو أنك بدأت بتكوين حلفاء
في الأكاديمية بسرعة! في المرة القادمة، قد تجدين نفسك تقودين مجموعة من الطالب هناك."
ضحكت رينا وقالت: " لا أعتقد أنني مستعدة لذلك بعد، لكنني أريد فقط أن أكون صديقة جيدة."
ثم التفتت إلى والدها، وقالت: " أبي، كنت أفكر فشيء. هل يمكن دعوتها لزيارتنا في القصر يوما ما ؟أريد أن أريها المكان وأعرفها عليك وعلى آرثر و جدتي."
ابتسم الملك إيان وقال: " بالطبع رينا. ستكون مرحباً بها في أي وقت و أعتقد أن قضاء بعض الوقت هنا سيساعدها على الشعور بالراحة والثقة."
بعد الحديث عن يومها في الأكاديمية، تناولت الأسرة عشاءهم في قاعة الطعام الكبرى.
كانت المائدة مزينة بأطباق لذيذة وأضواء الشموع التي زادت من الدفء و الألفة.
خلال العشاء، استمرت رينا في الحديث عن دروسها وتجاربها في الأكاديمية، بينما كان آرثر يقدم لها النصائح حول كيفية التعامل مع الأساتذة والتحديات المستقبلية.
و بعد انتهاء العشاء، توجهت رينا إلى غرفتها.
بينما كان والدها و آرثر يتحدثان عن الشؤون الملكية.
جلست رينا على سريرها، تفكر في وقتها بالأكاديمية والذكريات الجديدة التي كونتها.
ثم نظرت إلى السماء من نافذتها الكبيرة، حيث كانت النجوم تتلألأ في السماء الصافية.
شعرت رينا بالسلام والراحة، لكنها كانت تعرف أن الأيام القادمة ستكون مليئة بالتحديات الجديدة.
وبينما كانت تفكر في ذلك، أغمضت عينيها وبدأت في تخيل مغامراتها القادمة سواء في الأكاديمية أو مع صديقتها الجديدة، ماريا.
في اليوم التالي، أرادت رينا على زيارة قبر أمها في غابة إلدريا ،ذهبت وحدها هذه المرة.
وقفت أمام الشاهد الرخامي الأبيض، وقد نما العشب حوله وأزهرت الزهور البنفسجية من تلقاء نفسها.
جلست على ركبتيها، ووضعت يدها على الحجر البارد.
"أمي... لقد كبرت كثيرًا، أليس كذلك؟"
صمتت لحظة، ثم تابعت:
"أبي يقول إنني أشبهك. لا أعرف إن كان هذا صحيحًا، لكنني أتمنى ذلك. أتمنى أن أكون نصف المرأة التي كنتِ عليها."
انهمرت دموعها بصمت:
"أفتقدكِ. حتى أنني لا أتذكر صوتكِ جيدًا. لكنني أتذكر دفء حضنكِ. أتذكر رائحتكِ، كأنها خليط من الزهور والمطر."
أغمضت عينيها:
"أعدكِ أن أكون قوية. أعدكِ أن أحمي أبي وآرثر. أعدكِ أن أكون ملكة تاريس التي حلمتِ بها."
وفجأة، هبّ نسيم دافئ، وحمل معه همسة خافتة:
"أنا أعلم ذلك، يا صغيرتي... وأنا فخورة بكِ."
فتحت رينا عينيها بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.
فقط فراشة بنفسجية تحلق حولها، ثم ترتفع نحو السماء.
ابتسمت رينا، ومسحت دموعها:
"وداعًا يا أمي... إلى اللقاء."
في أمسية اليوم الأخير من إجازتها، وقفت رينا على شرفة غرفتها، تتأمل القمر المكتمل.
دخل إيان بهدوء، ووقف بجانبها.
قال: "أتذكرين عندما كنتِ تخافين من الظلام؟"
ضحكت رينا: "كنت أظن أن الوحوش تختبئ تحت السرير."
إيان: "والآن... أنتِ من تخيف الوحوش."
نظرت إليه رينا بجدية:
"أبي... هل تعتقد أنني سأكون ملكة جيدة يومًا ما؟"
نظر إليها إيان طويلاً، ثم قال:
"يا رينا... الملك ليس من يجلس على العرش. الملك هو من ينام قرير العين لأنه يعلم أنه فعل الصواب. وأنتِ... تفعلين الصواب دائمًا."
صمتت رينا، ثم وضعت رأسها على كتف والدها.
قالت بصوت خافت: "أحبك يا أبي."
قال إيان: "وأنا أحبكِ، يا زهرة تاريس."
وفي صباح اليوم التالي، عادت رينا إلى الأكاديمية.
لكن هذه المرة، لم تكن تشعر أنها تغادر منزلها بل كانت تعود إلى منزلها الثاني.
وفي قلبها، كان النور البنفسجي يضيء أكثر من أي وقت مضى ، لقد بدأت رحلتها حقًا.
في دفتر مذكرات إيان، كُتبت تلك الليلة:
"اليوم عادت رينا إلى الأكاديمية لم تبكِ هذه المرة بل ابتسمت ابتسامة جميلة كأمها، ولوحت بيدها من نافذة العربة وكأنها تقول: 'لا تقلق، أنا بخير وأنا... صدقتها.
لقد كبرت ابنتنا.
وربما... حان الوقت لأصدق أنا أيضًا أن الطفلة التي كانت تختبئ خلف ستائري صارت امرأة شابة تستحق أن تطير وحدها.
إلينورا... لو رأيتِها الآن لكنتِ بكيتِ فرحًا.
فقط... لا تخبري أحدًا أنني بكيت أنا أيضًا.
ملك تاريس لا يبكي، أليس كذلك؟
حسنًا، ربما يبكي قليلًا...لكن فقط عندما لا يراه أحد.
أشتاق إليك كل يوم يا زهرتي.
اليوم التالي، أرادت رينا على زيارة قبر أمها في غابة إلدريا ،ذهبت وحدها هذه المرة.
وقفت أمام الشاهد الرخامي الأبيض، وقد نما العشب حوله وأزهرت الزهور البنفسجية من تلقاء نفسها.
جلست على ركبتيها، ووضعت يدها على الحجر البارد.
"أمي... لقد كبرت كثيرًا، أليس كذلك؟"
صمتت لحظة، ثم تابعت:
"أبي يقول إنني أشبهك. لا أعرف إن كان هذا صحيحًا، لكنني أتمنى ذلك. أتمنى أن أكون نصف المرأة التي كنتِ عليها."
انهمرت دموعها بصمت:
"أفتقدكِ. حتى أنني لا أتذكر صوتكِ جيدًا. لكنني أتذكر دفء حضنكِ. أتذكر رائحتكِ، كأنها خليط من الزهور والمطر."
أغمضت عينيها:
"أعدكِ أن أكون قوية. أعدكِ أن أحمي أبي وآرثر. أعدكِ أن أكون ملكة تاريس التي حلمتِ بها."
وفجأة، هبّ نسيم دافئ، وحمل معه همسة خافتة:
"أنا أعلم ذلك، يا صغيرتي... وأنا فخورة بكِ."
فتحت رينا عينيها بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.
فقط فراشة بنفسجية تحلق حولها، ثم ترتفع نحو السماء.
ابتسمت رينا، ومسحت دموعها:
"وداعًا يا أمي... إلى اللقاء."
في أمسية اليوم الأخير من إجازتها، وقفت رينا على شرفة غرفتها، تتأمل القمر المكتمل.
دخل إيان بهدوء، ووقف بجانبها.
قال: "أتذكرين عندما كنتِ تخافين من الظلام؟"
ضحكت رينا: "كنت أظن أن الوحوش تختبئ تحت السرير."
إيان: "والآن... أنتِ من تخيف الوحوش."
نظرت إليه رينا بجدية:
"أبي... هل تعتقد أنني سأكون ملكة جيدة يومًا ما؟"
نظر إليها إيان طويلاً، ثم قال:
"يا رينا... الملك ليس من يجلس على العرش. الملك هو من ينام قرير العين لأنه يعلم أنه فعل الصواب. وأنتِ... تفعلين الصواب دائمًا."
صمتت رينا، ثم وضعت رأسها على كتف والدها.
قالت بصوت خافت: "أحبك يا أبي."
قال إيان: "وأنا أحبكِ، يا زهرة تاريس."
وفي صباح اليوم التالي، عادت رينا إلى الأكاديمية.
لكن هذه المرة، لم تكن تشعر أنها تغادر منزلها بل كانت تعود إلى منزلها الثاني.
وفي قلبها، كان النور البنفسجي يضيء أكثر من أي وقت مضى ، لقد بدأت رحلتها حقًا.
في دفتر مذكرات إيان، كُتبت تلك الليلة:
"اليوم عادت رينا إلى الأكاديمية لم تبكِ هذه المرة بل ابتسمت ابتسامة جميلة كأمها، ولوحت بيدها من نافذة العربة وكأنها تقول: 'لا تقلق، أنا بخير وأنا... صدقتها.
لقد كبرت ابنتنا.
وربما... حان الوقت لأصدق أنا أيضًا أن الطفلة التي كانت تختبئ خلف ستائري صارت امرأة شابة تستحق أن تطير وحدها.
إلينورا... لو رأيتِها الآن لكنتِ بكيتِ فرحًا.
فقط... لا تخبري أحدًا أنني بكيت أنا أيضًا.
ملك تاريس لا يبكي، أليس كذلك؟
حسنًا، ربما يبكي قليلًا...لكن فقط عندما لا يراه أحد.
أشتاق إليك كل يوم يا زهرتي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق