مرت السنوات سريعًا على مملكة تاريس.
إيان أصبح في الثانية والثلاثين، نضجه جعله أوسم و حوله هاله مهيبة أكثر من أي وقت مضى، لكن قلبه لا يزال يحمل ظل فقدان إلينورا.
آرثر صار في الثانية عشرة، فتى وسيم كبر و صار يشبه والدته في ملامحه، يحمل طموحًا أكبر من عمره ويتمرن بجدّ ليكون فارسًا وساحرًا.
رينا بلغت التاسعة، فتاة ناعمة ذات العيون البنفسجة التي تشع بالبراءة والنقاء، يتضح يومًا بعد يوم ارتباطها الغامض بنور روزالين.
في صباحٍ هادئ، جهّز إيان عربة بسيطة رغم إصرار الخدم على الموكب الملكي، لكنه قال بابتسامة:
إيان: "هذا يوم عائلي خاص."
ركب العربة مع أطفاله ووالدة إلينورا مارينا، متجهين نحو التل الأخضر حيث يرقد قبرها، وقد غُطي بالزهور البيضاء التي يضعها الناس من تلقاء أنفسهم احترامًا لذكراها.
وقفوا جميعًا أمام القبر الرخامي، وقد نُقشت عليه كلمات إيان: "هنا ترقد من جعلت من الحب حياة، ومن تركت في قلوبنا نورًا لا ينطفئ."
انحنى إيان، ووضع وردة بنفسجية، ثم همس بصوت مبحوح:
"إلينورا… يا زهرتي ها نحن هنا، كما وعدتك. أطفالنا يكبرون أمام عينيّ."
آرثر اقترب بخطوات واثقة، ووضع سيفه الصغير على الأرض أمام القبر قائلًا:
"أمي… سأكون قويًا لأحمي أبي ورينا، تمامًا كما كنتِ تحميننا بحبك."
أما رينا، فجلست قرب القبر تلمس النقش بأصابعها الصغيرة وتقول ببراءة:
"أمي… اشتقتُ لصوتك. لكنني رأيت نورًا جميلاً ذات مرة… شعرت أنه أنتِ."
إيان تأثر كثيرًا بكلماتها، وعانقها وهو يقول: "نعم يا صغيرتي… أمكِ ترافقك دومًا."
مارينا جلست تلمس القبر بحزن " آه يا صغيرتي استقت إليك أرجوك كوني سعيدة بجانب روزالين."
حين همّوا بالمغادرة، رفرفت فجأة فراشة بنفسجية بين الزهور واستقرت على شاهد القبر.
وقف الجميع صامتين، والدموع تترقرق في أعينهم. ابتسمت رينا قائلة: "إنها رسالة… ماما بخير."
إيان أغلق عينيه للحظة، ثم التفت إلى أطفاله بابتسامة حزينة ممزوجة بالقوة " هذا صحيح ، نحن ذاهبون ، إلينورا."
ثم أمسك بيدي آرثر ورينا، ليعودوا معًا نحو العربة، والسماء تضيء بأشعة ذهبية وكأنها تُبارك هذا اللقاء الصامت بين الأرض والسماء.
في تلك الليلة، بدا قصر تاريس كجوهرة متلألئة في قلب المملكة.
علّقت الأقمشة الأرجوانية المطرزة بالذهب على الجدران، وامتلأت القاعات بالشموع والثريات الكريستالية التي انعكس نورها على الأرضيات الرخامية.
الجنود بزيّهم الرسمي اصطفوا على جانبي البهو الكبير، بينما تعزف الأوركسترا الملكية لحنًا مهيبًا يليق بالاحتفال.
الحدث كان واضحًا الاحتفال بعيد ميلاد آرثر الثاني عشر، أول ظهور رسمي له كولي عهد أمام النبلاء.
أُعلنت الأبواق، ودخل الملك إيان بوقاره المعتاد، مرتديًا رداءً ملكيًا أزرق داكنًا مطرزًا بخيوط فضية.
على يمينه سار آرثر بفخر، مرتديًا سترة ملكية أرجوانية زينت بكتفٍ ذهبي وسيف احتفالي صغير يتدلى على جانبه.
أما رينا، فخطفت الأنظار بفستان أبيض نقي يتلألأ بخيوط بنفسجية، شعرها منسدل كنسمة رقيقة، بينما أمسكت بيد والدها بثقة طفولية.
الجمهور من النبلاء انحنى احترامًا، ودوّى صوت المذيع الملكي "ليُبارك الجميع هذه الليلة المباركة، عيد ميلاد الأمير آرثر، ولي عهد مملكة تاريس."
توزع النبلاء في القاعة، يتحادثون في أجواء من الفخامة، بينما أعدّت الموائد الطويلة المليئة بأفخر الأطعمة، اللحوم المشوية، الفواكه النادرة، وأباريق الشراب الفضي.
بعض النبلاء كانوا يتهامسون بإعجاب: "الفتى وسيم حقًا… يشبه والدته الراحلة."
آخرون تحدثوا ببرود: "اثنا عشر عامًا فقط… لكنه بالفعل يجذب الأنظار، سيصبح منافسًا قويًا لنا جميعًا."
جلس إيان على العرش الذهبي في مقدمة القاعة، يراقب باهتمام، فيما جلس بجانبه آرثر ورينا.
لويد، صديق الملك ومستشاره السحري، وقف بالقرب، يتابع الأحداث بابتسامة هادئة ولكن بعينٍ يقظة تراقب همسات النبلاء.
وقف إيان وأشار لابنه أن يتحدث. شعر آرثر بقليل من الارتباك، لكنه سرعان ما تماسك أمام الحشد.
آرثر بصوتٍ ثابت: "أشكركم جميعًا على حضوركم ، أعدكم أن أكون يومًا ما قوة تحمي تاريس كما يفعل والدي هذا حلمي و واجبي." صفق الجميع بحرارة، بينما نظر إيان إليه بفخر، وهمس للويد: "لقد بدأ يكبر حقًا."
اختُتم الاحتفال برقصة ملكية، حيث شارك النبلاء وأبناءهم، فيما جلست رينا تضحك ببراءة وهي تشاهد أخاها يحاول مجاراة خطوات الكبار.
في النهاية، وقف إيان أمام الجميع قائلاً "اليوم ليس فقط عيد ميلاد ابني، بل عيد لمستقبل تاريس. بكم ومعكم سنبني مملكة لا تنكسر."
وهكذا انتهت الليلة وسط تصفيق النبلاء وأهازيج الشعب في الخارج.
بينما أدرك آرثر أن هذه كانت أول خطوة في طريقه الطويل نحو حمل راية والده.
بعد أيام من الاحتفال الملكي، جلست رينا على الدرج الرخامي المؤدي إلى الحديقة، تنظر إلى الخارج بحنين. اقترب منها آرثر، ولاحظ شرودها.
آرثر: "ما بالكِ يا رينا؟ تبدين وكأنك تفكرين في أمر ما."
رينا بابتسامة صغيرة: "أريد أن أرى السوق… الناس، الألعاب، الزهور… أريد أن العب مع باقي الأطفال."
تردد آرثر، فهو يعلم أن الخروج بدون حماية رسمية أمرٌ صعب، لكن حمايته لأخته كانت دائمًا أولوية عنده.
في تلك اللحظة ظهر لويد بخطوات هادئة، ممسكًا بعصاه، كأنه كان يستمع منذ البداية.
لويد وهو يبتسم بمكر: "همم… أرى أن الأميرين الصغيرين يرغبان في مغامرة."
آرثر بجدية: "لكن أبي لن يسمح… الأمر خطير."
لويد: "الملك مشغول بشؤون المجلس، وإن خرجتما برفقة حكيم عجوز مثلي، فلن يعترض. ثم… أليس من واجب الأمير أن يعرف حياة شعبه عن قرب؟" غمز لويد لآرثر.
ضحكت رينا وقفزت تعانقه فرحًا: "أوه، شكرًا لويد! أنت أفضل معلم."
خرج الثلاثة بملابس بسيطة لإخفاء هويتهم.
السوق كان يعج بالحركة الباعة ينادون على بضائعهم: فواكه طازجة، أقمشة ملونة، وحليّ صغيرة.
الأطفال يركضون بين الأزقة الضيقة و رائحة الخبز الطازج والتوابل تملأ الجو.
رينا كانت منبهرة بكل شيء أمسكت يد آرثر وتوقفت عند بائع الدمى الخشبية، تختار واحدة صغيرة على شكل فراشة.
رينا بعيون لامعة: "آرثر! انظر إنها تشبه الفراشة روزالين!"
آرثر ابتسم، وأخرج بعض القطع النقدية: "إذن خذيها… إنها لكِ."
ثم ابتاع لها شريط شعر أزرق من بائعة عجوز، ووضعه على شعرها "هكذا تبدين أجمل يا أختي."
ضحكت رينا بخجل، بينما لويد كان يراقبهما بهدوء ، و في طريق العودة، حمل آرثر أكياسًا صغيرة مليئة بالفواكه والحلوى، فيما كانت رينا تتمسك بدمية الفراشة وشريطها الجديد.
لويد بخفة وهو يربت على كتف آرثر: "لقد أحسنت يا فتى… الأمير ليس من يحكم من القصر فقط، بل من يعرف كيف يُسعد أخته الصغيرة."
آرثر بابتسامة ممتنة: "شكراً لك يا معلمي."
حين وصلوا إلى القصر، أسرعت رينا إلى والدها، تحكي له بحماس ما رأته في السوق.
ابتسم إيان وهو يستمع، ثم نظر إلى لويد الذي غمز له مبتسمًا.
في المساء، كان إيان جالسًا في قاعة القصر الهادئة، بينه وبين رينا وآرثر جلسة عائلية دافئة.
رينا كانت تقرأ كتابًا مصورًا بينما آرثر يحاول إظهار إحدى تعاويذه الصغيرة التي تعلمها حديثًا.
ضحك إيان برفق وهو يراقب طفليه، فيما مارينا جدة رينا وآرثر تنسج ببطء قرب المدفأة.
كل شيء كان يوحي بالسكينة… حتى انطفأت فجأة شمعة من دون سبب.
هبّت نسمة باردة تسللت عبر النوافذ المغلقة، وارتفع وميض بنفسجي في وسط القاعة.
ظهرت روزالين، متجسدة من ضوء أرجواني، بردائها المهيب وعينيها اللتين تحملان القلق.
رينا بذهول: "إنها… السيدة روزالين!"
الدهشة علت وجه إيان قبل ان ينحني قائلاً "روزالين… لم أركِ منذ أعوام. هل كل شيء على ما يرام ؟ "
نظرت روزالين إلى الجميع، ثم ثبتت بصرها على إيان "لقد عاد… موركار."
ساد الصمت. الاسم وحده أيقظ الذكريات المؤلمة.
ذلك الساحر المظلم الذي واجهه إيان في الماضي.
إيان بحدة: "هذا مستحيل… لقد أنهينا أمره."
روزالين: " نعم لكن… أتباعه من جماعة الظلام نجحوا في أعادته، مستمدين قوتهم من الشر وراء البوابة."
إلينورا لم تكن موجودة بينهم منذ زمن، لكن حضورها كان يخيم في الذاكرة، مما جعل وقع الخبر أقسى على إيان وأطفاله.
رينا اقتربت من والدها وهي تمسك بردائه بخوف "أبي… من هذا ؟هل سيؤذينا؟" آرثر وهو يضع يده على كتف أخته: "لن يحدث ذلك لا تخافي."
إيان ركع أمامهما، واضعًا يديه على أكتافهما و قال إيان بصوت مفعم بالثقة رغم القلق: "لن أدع شيئًا يؤذيكما موركار خصمي… وأنا من سيتصدى له."
اقتربت روزالين، رفعت يدها بخفة وكأنها تبارك الأسرة "إياك أن تواجهه وحدك يا إيان… لقد أصبح أقوى مما كان. ستحتاج إلى قوة آرثر ورينا… فدماؤهم تحمل إرثًا روزالين أيضا"
ارتعش قلب إيان عند سماع ذلك، فهو لطالما أراد حماية طفليه من الحروب ، لكن القدر بدأ يرسم له طريقًا مختلفًا.
في غرفة القصر الكبرى، جلس إيان أمام الطاولة التي تغطيها الخرائط العسكرية، ويداه مشدودتان على السيف المسند إلى جانبه.
كان يعرف أن عودة موركار بداية لعصر مظلم آخر.
وقف لويد بجانبه، عينيه تلمعان بالجدية "لقد حان وقت الحسم يا إيان… إن عاد موركار حقًا، فلن تكون تاريس في أمان حتى نقطع رأسه مرة أخرى."
إيان: "لن أسمح لهذا الظلام أن يهدد تاريس."
فتح الباب فجأة، ودخل آرثر بعينين تشتعلان بالحماسة رغم صغر سنه "أبي! لا يمكنك الذهاب وحدك هذه المرة، أنا أيضًا أحمل دمك… ودم أمي. دعني أقاتل معك!"
ارتجف قلب إيان، فقد رأى في ولده الشجاعة ذاتها التي كانت تميزه عندما كان شابًا، لكن الخوف على طفله يكبّله.
إيان: "أنت ما زلت صغيرًا يا آرثر. ساحة الحرب ليست مكانًا لك بعد."
لكن لويد تدخل بابتسامة خفيفة ممزوجة بالجدية:
"إيان… ربما حان الوقت. لن يكون وحده، سأكون بجانبه. سأجعله يقف عند بوابة المدينة، يحرسها معي. لن أسمح له بالتقدم أكثر مما يجب، وسأكون سيفه ودرعه."
إيان ظل صامتًا للحظة، ثم نظر في عيني آرثر ورأى فيهما انعكاس شبابه ونظرة إلينورا.
أغمض عينيه، وتنهد "حسنًا… لكن عدني، أنك ستبقى خلف لويد، وستستمع لما يخبرك به ."
آرثر بابتسامة واسعة: "أعدك يا أبي!"
وفي أثناء ذلك، كانت رينا في حديقة القصر، جالسة قرب شجرة صغيرة منبثقة من جذور شجرة الحياة.
ظهرت روزالين أمامها، مكللة بهالة بنفسجية:
"رينا… دمك متصل بجذور هذه الأرض. حان وقت أن تمنحيها حمايتك."
رينا بخوف و قلق "لكنني خائفة و قلقه…"
روزالين بابتسامة مطمئنة: "انت تريدين حماية الجميع أليس كذلك ؟ لذا ستقيمين حاجزًا من نور حول القصر، وستكونين الدرع لأهلك حين يتقدم الظلام."
رفعت رينا يديها الصغيرة بحزم، ومع إرشاد روزالين بدأ يتشكل حاجز أرجواني متلألئ، امتد كقبّة فوق القصر، ينبض مع أنفاسها الطفولية.
في تلك الليلة، ارتجّت الأرض تحت أقدام تاريس.
من خلف الأفق، ظهرت غيوم سوداء تتخللها بروق خضراء، وصوت همسات غريبة جعلت الجنود يقبضون على سيوفهم بقلق.
من بين الظلال خرجت أولى مخلوقات موركار: ذئاب مظلمة بأعين حمراء متوهجة، وجنود ملوثون باللعنة.
ارتفعت الأبواق في تاريس.
إيان وقف على أسوار القصر وهو يصرخ:
"دافعوا عن تاريس يا أبطال! تاريس لن تسقط!"
لويد وضع يده على كتف آرثر:
"تمسك بوعدك يا فتى. هذا امتحانك الأول."
آرثر قبض على سيفه الصغير بكلتا يديه، قلبه يخفق بقوة، وعيناه تتلألآن بالشجاعة.
وفي السماء، ظهرت روزالين مرة أخرى بجانب رينا، هامسة: "هذه مجرد بداية…"
توجه إيان مع فرسان روزالين نحو وادي الخراب، المكان الذي لطالما اعتبره الناس أرضًا ملعونة. السماء فوقه كانت رمادية داكنة، يتخللها برق أخضر كأنها أنفاس الشر تتسرب إلى عالم البشر.
وقف إيان أمام الوادي، وسيفه الأسطوري يضيء بضوء بنفسجي مقدس، بينما تعويذة الدرع النوراني التي صنعها مع لويد لا تزال تحيط بجنوده.
إيان: "هذا هو الجذر… هنا يخبئ موركار أنفاسه الأخيرة. اليوم لن نترك لهذا الشر موطئ قدم بعد الآن."
اندلعت المعركة ضد موجات من المخلوقات المشوهة.
عمالقة بجلود متشققة، وأرواح سوداء تتحرك كدخان حيّ. فرسان روزالين شكّلوا صفوفهم، وصوت سيوفهم مع السحر الملتهب شقّ الوادي.
في نفس الوقت، عند أسوار العاصمة، اجتمع لويد وجنود المدينة لمواجهة هجوم شرس.
الموجة الثانية من جيوش موركار ظهرت من الظلال، تتقدم بخطى ثقيلة تهز الأرض.
لويد رفع عصاه، فأطلقت دوائر سحرية من النور لتضيء السماء، ثم نزل وابل من السهام النورانية على صفوف الأعداء.
آرثر، رغم صغر سنه، وقف بجانبه، سيفه في يده، ووجهه متعرق لكنه ثابت.
لويد بابتسامة صارمة: "تمسك بوعدك يا فتى… قاتل، لكن لا تتهور."
آرثر: "سأفعل، يا معلمي. لن أخذلك… ولن أخذل أبي."
هجم الأعداء على الأسوار، فاندفع آرثر بضربة سحرية مفاجئة خرجت من سيفه، شعاع أزرق اخترق جسد أحد الوحوش وأسقطه أرضًا.
دهش الجنود حوله، حتى لويد نفسه اتسعت عيناه للحظة:
لويد (هامسًا): "هذه… ليست قوة عادية.. مذهل."
ومع كل هجمة، كان لويد يحمي ظهر آرثر، بينما الفتى يتعلم بسرعة، يصد الضربات ويردها بشجاعة تفوق عمره.
في القصر، جلست رينا الصغيرة في قلب قاعة العرش، يداها مرفوعتان، والدموع تنزل على وجنتيها من شدة الجهد.
الحاجز الأرجواني الذي صنعته يغطي القصر كله، وكان يهتز مع كل ضربة يشنها الأعداء من الخارج.
روزالين وقفت خلفها، تضع يدها على كتفها و تهمس "تماسكي يا رينا… أنتِ درع النور الآن."
رينا بصوت متقطع: "لن… أدعهم… يقتربون."
بينما يدافع لويد وآرثر بشجاعة عند الأسوار، ويجاهد فرسان روزالين مع إيان في وادي الخراب، ارتجّت الأرض كلها.
من بين الدخان، ظهر ظلّ هائل… كان وجه موركار يتجسد في السماء كطيف عملاق، يضحك ضحكة مرعبة:
موركار: "عدت كما وعدتك ..مهما قاومت، البوابة ستُفتح… والخراب سيبتلعكم."
إيان رفع سيفه باتجاه السماء، وصوته يدوّي عبر الوادي
"لن تُفتح وأنا حيّ يا موركار! بدماء تاريس، وبنور روزالين… أقسم أن نهايتك ستكون هنا!"
كانت السماء تتصدع بالبرق الأسود، والهواء يملأه صراخ الأرواح، بينما وقف إيان في مواجهة موركار وقد اكتمل جسده المظلم داخل دائرة سحرية عملاقة.
موركار رفع يده، فأطلقت الدائرة موجات من النار السوداء التي تحولت إلى تنانين من الظلال تزحف نحو إيان.
إيان شَد قبضته على سيفه الأسطوري، والرمز البنفسجي على كفه توهج، فأطلق اندفاعًا من النور السماوي قطع أول تنين من الظل نصفين.
لكن موركار ضحك "هذا السيف لا يكفي… لن توقف العاصفة!"
إيان: "ربما لا يكفي وحده… لكن نور روزالين، وإيمان شعبي، سيجعلان منه أقوى من أي عاصفة!"
اندفع إيان وسط الدائرة، يضرب يمينًا ويسارًا، بينما الفرسان خلفه يقاتلون الجموع بلا هوادة.
على أسوار العاصمة، اشتعلت النيران، والوحوش تتسلق الجدران كأمواج لا تنتهي.
لويد، رغم تعبه، كان يرسم دوائر سحرية متتالية تضيء السماء بوميض ذهبي، كل واحدة تفجر العشرات من الأعداء.
آرثر، بعرق يتصبب من جبينه، كان يتحرك بخفة لا تناسب عمره، سيفه يصدر شرارات زرقاء في كل ضربة.
أحد الجنود صاح بدهشة "إنه يقاتل كأبيه تمامًا!"
لويد بابتسامة رغم الإرهاق: "بل ربما سيصبح أقوى منه…"
لكن هجومًا مظلمًا ضخمًا اخترق الدفاعات، كرة سوداء عملاقة اتجهت نحو الأسوار.
صرخ لويد: "آرثر، احتمِ خلفي!" لكن قبل أن تصل، حدث شيء غير متوقع…
رينا، الصغيرة كانت تجلس على ركبتيها في القاعة الكبرى، ويداها ترتجفان من شدة الضغط.
حاجزها الأرجواني كان يهتز ويكاد يتشقق دموعها سالت وهي تهمس:
"لا… لن أسمح لهم… لن أخسر أبي ولا آرثر…"
وفجأة شعرت بيد دافئة على كتفها، كانت روزالين خلفها، تقول بصوت يملأه السلام:
"القوة في قلبك، يا رينا… لستِ مجرد طفلة. أنتِ ابنة إيان و إلينورا، و وريثة نوري."
فتحت رينا عينيها اللامعتين بالدموع، لكن داخلهما اشتعل بريق بنفسجي عميق.
رفعت يديها من جديد، وصاحت بكل ما تملك
هذا النور… لتاريس!"
فانفجر الحاجز فجأة بطاقة أعظم بكثير، لم يعد مجرد جدار ثابت، بل تحول إلى قبة من النور السماوي، تمتد حتى الأسوار نفسها.
الموجة السوداء التي كانت تتجه نحو آرثر و لويد اصطدمت بالحاجز، وتحطمت كزجاج هش.
المدينة كلها أضيئت بضوء بنفسجي ساطع، حتى الجنود رفعوا رؤوسهم بدهشة.
أحدهم صاح: "إنها الأميرة الصغيرة! إنها تحمينا، ضوء روزالين!"
إيان في الوادي شعر بالقوة تتدفق عبر سيفه، نور الحاجز المنبعث من رينا وصل حتى إليه.
رمز الفراشة على كفه ازداد توهجًا، حتى أن موركار نفسه تراجع للحظة، مذهولًا.
موركار: "ما هذا النور؟!"
إيان بابتسامة عازمة: "إنه صوت أطفالي، وصوت تاريس… وهذا ما لن تفهمه أبدًا!"
بضربة واحدة، اندفع إيان إلى قلب الدائرة السحرية، وسيفه يطلق شعاعًا بنفسجيًا هائلًا اخترق جسد موركار المظلم.
موركار صرخ، والسماء كلها ارتجت مع سقوطه.
في القصر، سقطت رينا على الأرض متعبة، لكن ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها.
ركضت الخادمات إليها، بينما روزالين اختفت تاركة وراءها ومضات من النور.
و عند الأسوار، جلس آرثر منهكًا بجانب لويد، ينظر إلى السماء المضيئة "أختي… لقد أنقذت الجميع."
وفي الوادي، إيان، وهو يضع سيفه على الأرض، رفع رأسه نحو السماء وقال: "لقد أوفى النور بوعده… روزالين، شكرا لك ، إلينورا انتصرت و حميت أطفالنا."
عاد إيان من وادي الخراب متعبًا لكنه شامخ، سيفه على ظهره وملابسه ممزقة من آثار القتال، فيما رافقه فرسان روزالين الذين بقوا على قيد الحياة.
على أبواب تاريس، كان الناس في انتظارهم، يهتفون باسمه، يرمون الورود البنفسجية في الهواء، ويغنون أهازيج النصر.
ركض آرثر عبر الحشود، وصعد الدرجات ليعانق والده بكل قوته، و دموعه تنهمر "عرفت أنك ستعود، أبي!"
ثم لحقت به رينا الصغيرة، التي كانت قد استعادت قواها، وألقت بنفسها في أحضانه رينا: "أبي… لقد حاولت أن أكون قوية مثلك!"
إيان ضم الاثنين بقوة، وابتسامته المرتجفة أظهرت كم كان بحاجة لهذا الحضن.
لويد وقف بجانبه، يبتسم بفخر وهو يضع يده على كتفه " بوركت جهودك يا صديقي."
في اليوم التالي، قاد إيان عائلته إلى حيث ترقد إلينورا تحت شجرة الحياة في غابة إلدريا.
النسيم العليل كان يحرّك الأغصان، والضوء يتخلل بين الأوراق البنفسجية، في مشهد سماوي كأنه يبارك زيارتهم.
إيان ركع أمام القبر، وضع يده على الحجر الأبيض وقال بصوت متهدج:
إيان: "لقد فعلناها، إلينورا… كما وعدتك، حميت تاريس… ورأيت قوتك في قلوب أطفالنا."
رينا وضعت باقة من الزهور البنفسجية على القبر وهمست:
"أمي… لقد ساعدتني روزالين، لكنني شعرت بكِ أيضًا… كنتِ معي."
آرثر انحنى بجانب والده وقال بثباتٍ يشبه الكبار:
"أعدك يا أمي… سأحمي رينا وأبي، كما كنتِ تحميننا."
إيان ابتسم والدموع في عينيه، ثم جمعهم في حضنه، والهواء حولهم امتلأ بضياء ناعم كأن روح إلينورا تباركهم.
عادوا إلى القصر مع شعور جديد: مملكة تاريس لم تعد مجرد أرض يحكمونها، بل بيتًا كبيرًا يحميه نور الأسرة والحب.
الشعب احتفل و غنى بالنصر و بالحياة وفي ليلٍ هادئ، جلس إيان على شرفته يكتب في مذكراته:
"إلينورا…يا زهرتي لقد رحلتي عني، لكنكِ لا تزالين بيننا. آرثر يكبر ليصبح شجاعًا كأحلامك، ورينا تضيء القصر بضحكاتها.
الوعد الذي قطعناه عند شجرة الحياة، سأظل أوفيه… حتى آخر أنفاسي. هذه ليست نهاية القصة… بل بداية لعصر جديد، عصر من نور وسلام لتاريس."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق