مرت ثمان سنوات من ذو حكم إيان لتاريس، اصبح الآن بعمر الرابعة و العشرين بوقار الملوك و حكمة أكبر من عمره.
إلينورا أيضا احتفلت بعيد ميلادها الثالث و العشرين و بعده بأشهر قليلة عيد ميلاد آرثر الرابع.
جاء عيد ميلاد آرثر الرابع وسط احتفال كبير في المملكة. كانت القاعات الملكية تزين بالألوان والأضواء، وشارك الشعب بأكمله في الاحتفال .
الجميع كان متحمسا لرؤية الأمير الصغير وهو ينمو ليصبح شابًا واعدًا.
في هذا اليوم الخاص، قدم الملك إيان لابنه هدية فريدة سيفاً سحري يتوسطه حجرا سحريًا صغيرا، كان يُستخدم لتعزيز قوى السحر لدى مستعمله.
لكن لم تكن هذه الهدية اجمل مما تخبئه أمه له .
في عيد ميلاده الرابع كان الأمير الصغير سعيداً فقد كانت إلينورا تخبئ له مفاجأة كبيرة و غير متوقعه.
نادت آرثر لتأخذه في حضنها و قالت له "هل أنت مستعد لسماع ماهي الهدية؟" قام بهز رأسه كثيرا و هو متحمس ثم قال " نعم أنا متحمس يا أمي".
نظرت إليه بحب و قالت "المفاجأة هي.. أنا حامل بإخت آرثر" تصنم الجميع من الدهشة ماعدا آرثر الذي كان ينط فرحاً و يردد سوف أصبح أخاً كبيرا.
لويد تصنم مكانه " لماذا لم يخبرني أحد " نظر لإيان الذي يضحك.
" أردت ان نفاجئك مع آرثر" ضحك الجميع على وجه لويد المضحك.
كانت السنوات الأربع هذه أجمل ما قد عاشه إيان كان يلعب و يدرب آرثر على القتال بالسيف و لويد يعلمه السحر و التحكم بالسحر كان آرثر يظهر مهارات مذهلة مقارنة مع أقرانه.
كانت إلينورا تراقبهما و تنظرهما بالكعك و المشروبات الباردة ، كانت العائلة تقضي أوقاتاً جميلة كان إيان يحب لمس بطن إلينورا و يقبله لعل هذا اللمسات و القبلات تصل للطفل.
مرت الأيام و حان موعد ولادة إلينورا كان إيان قلق حينما أخبره الطبيب الملكي بأنها قد تكون والدة صعبة و خطيرة بسبب ضعف جسدها، لكن إلينورا طمأنته قائلة بأنها سوف تكون بخير و تنجب طفلتها بأمان.
ابتسم إيان لرؤية كيف تحاول و تبذل جهدها مع ذلك كان قلقه واضحاً.
كانت القلعة تعيش حالة من الترقب، إذ اقترب موعد ولادة إلينورا.
الخدم يركضون بين أروقة القصر ،الأطباء والقابلات يستعدون في جناح الملكة.
إيان يسير ذهابًا وإيابًا أمام الباب، قلبه يخفق بشدة، يخشى على من يحب.
اقترب منه لويد بابتسامة مطمئنة:
"اهدأ يا صديقي… إلينورا قوية، وستجلب لنا أميرة تضيء القصر."
لكن عينا إيان ظلتا معلقتين بالباب، وكأنه لا يستطيع التنفس إلا حين يسمع صرخة ابنته.
بدأت الولادة كانت إلينورا تبذل جهدها لتلد بسلام لكن يبدوا أن الولادة كانت صعبة .
استمر الأمر طوال الليل و إيان كان يأكله القلق ذهب لمعبد روزالين الصغير الموجود بالقصر و بدأ بصالة و الدعاء لتلد ولادة آمنه و عاد ينظر لباب الغرفة .
بعد طول انتظار وأخيرًا، اخترق صمت الليل صوت بكاء طفلة صغيرة.
انفتح الباب، وخرجت القابلة بابتسامة مشرقة:
"مبارك يا مولاي… إنها أميرة، صغيرة كالملاك!"
دخل إيان مسرعًا، فرأى إلينورا ممددة على الفراش، وجهها متعب لكن ابتسامتها أبهى من أي وقت مضى، تحمل بين ذراعيها مولودتهما.
اقترب بخطوات بطيئة، عيونه تلمع بالدموع، ثم جلس بجوارها وهمس:
"إلينورا… يسرني انك بخير لقد منحتِني هدية لا تقدر بثمن."
نظرت إليه وهي تحتضن الطفلة:
"إيان… هذه رينا، زهرتنا الصغيرة."
أخذها بين ذراعيه، ارتجف قلبه وهو يلمس يديها الصغيرتين، وقال:
"رينا… يا أميرة أبيك… أقسم أنني سأحمي ابتسامتك مهما كلفني الأمر."
قام إيان بحمل رينا بين ذراعيه و كان يتأمل جمالها ، همست إلينورا بصوت متعب وسعيد
" إيان لقد أخبرتك بأن كل شيء سيكون على ما يرام "
ابتسم لها إيان و أمسك بيدها و قبلها و أخبرها بأنها بذلت جهدها و كم هو فخور بها.
دخل آرثر مسرعًا عيونه تتسع بالدهشة حين رأى المولودة.
قال بفرح:
"هل هذه أختي؟"
ابتسمت إلينورا "نعم يا عزيزي، هذه رينا، ستكون صديقتك ورفيقتك دائمًا."
اقترب آرثر بحذر، ولمس خدها الصغير بإصبعه، فضحك ببراءة "إنها صغيرة جدًا… سأحميها أنا أيضًا!"
ضحك إيان وهو يضع يده على كتف ابنه:
" سوف تكون أخا رائعاً ، آرثر."
في اليوم التالي أُقيم احتفال عظيم في تاريس بمناسبة ولادة الأميرة.
الشوارع امتلأت بالزينة البيضاء والبنفسجية و العازفون ملأوا الساحات بالموسيقى.
الشعب رقص وغنى مبتهجًا بميلاد الأميرة الجديدة.
وقف إيان و إلينورا في الشرفة، وبحضنهما آرثر ورينا، يلوحون للشعب الذي يهتف بأسمائهم.
كان مشهدًا خالدًا… الملك والملكة وأطفالهما، رمز النور الذي يحمي تاريس.
أراد إيان بهذه المناسبة رسم صورة لعائلته الصغيرة بعد أن تتحسن إلينورا، لتصبح ذكرى للجميع.
في ليالي القصر الهادئة يجلس إيان يكتب في مذكراته، بينما رينا نائمة بين ذراعي إلينورا.
آرثر يحاول أن يروي قصة لأخته الصغيرة بصوته الطفولي.
إلينورا تبتسم وهي ترى أطفالها بجانبها، وتشعر أن السعادة اكتملت.
كتب إيان في يومياته:
"كل نصر و كل مجد… لا يساوي شيئًا أمام نعمة أن أستيقظ وأجد عائلتي حولي. إنهم كنزي."
و هكذا استمرت اللحظات الجميلة و النزهات و مرت السنوات سريعًا، وأكملت رينا عامها الثالث، تضج بالحيوية والضحكات في أرجاء القصر.
كانت تحب مطاردة الطيور في حدائق القلعة، شعرها الاسود اللامع يتطاير مع الريح وهي تضحك.
آرثر، وقد بلغ السابعة، يتصرف كالأخ الأكبر الحقيقي، يلعب معها و يحميها، حتى أنه كان يختبئ معها من مربيات القصر ليأخذها في مغامرات صغيرة.
إيان كثيرًا ما كان يراقبهما من بعيد مبتسمًا، وقلبه يمتلئ بالفخر والحنان.
فقد وجد في هذين الطفلين معنى النور الذي كافح من أجله.
لكن خلف هذه السعادة، بدأت إلينورا تعاني بصمت.
فقد كان ما فعلته قبل سنوات، عندما ضحّت بجزء من قوة حياتها وسحرها لشجرة الحياة لإنقاذ تاريس، بدأ الإرهاق يظهر في عينيها الزرقاوين، كأنها تحمل وزناً لا يُرى.
أحيانًا تسقط دمعة صامتة وهي تضم رينا إلى صدرها، تخشى ألا تستطيع مرافقتها طويلاً.
شعرت أحيانًا بضعف في أطرافها، وأصبحت أكثر عرضة للمرض.
كانت تخفي آلامها بابتسامة، وتخبر إيان "لا تقلق… أنا بخير، رؤيتهم يكبرون تكفيني."
لكن قلبه لم يكن يطمئن، كان يعرف أن روحها تدفع ثمن هذا السلام.
رغم ضعفها، كانت إلينورا تسعى لأن تبقى قريبة من طفليها.
كانت تجلس بجانبهما ليلاً لتروي قصص الأميرات لرينا، وحكايات الأبطال لآرثر.
آرثر، ببراءته، كان يقول: "ماما، سأتعلم السحر و أصبح قوي و أحميك و أحمي أختي!"، بينما تضحك رينا وتقول: "وأنا سأكون أميرة قوية!"
في تلك اللحظات، كان إيان يجلس بجوارهم بصمت، يشعر بامتنان عميق، وفي نفس الوقت بخوف داخلي من المستقبل.
في إحدى الليالي، جلس إيان إلى طاولته وكتب في مذكراته:
"أنا الملك الذي انتصر على الشياطين، وحمل سيف النور لكن أمام تعب إلينورا، أشعر أنني ضعيف.
لو كان بوسعي أن أخذ عنها الألم لفعلت دون تردد.
يا روزالين… إن كان قدري أن أقاتل الشر، فليكن، لكن.. أرجوكِ لا أريد أن أخسر النور الذي يضيء حياتي."
وبينما كانت إلينورا تضعف جسديًا، ازداد الحب حولها قوة:
الشعب كان يلقبها بـ "زهرة تاريس الخالدة".
آرثر ورينا كانا يملآن القصر ضحكًا وحياة، وكأنهما يردان إليها بعضًا من سحرها.
إيان أصبح أكثر قربًا من عائلته، يوازن بين أعباء الحكم وبين رغبته في أن يبقى إلى جانبهم.
كان القصر الملكي في تاريس يضجّ بالحركة في ذلك الصباح.
فاليوم ليس يومًا عاديًا، إنه عيد ميلاد الملكة إلينورا الخامس و العشرين، لزهرة المملكة التي أسرَت قلوب الجميع برقتها ولطفها.
الخدم يزيّنون القاعات بالورود البيضاء والبنفسجية، رمز النقاء والحب.
الحديقة الكبرى تفتحت بأجمل أزهارها، وكأن الطبيعة ذاتها تشارك في الاحتفال.
إيان أمر بأن يكون الحفل عائليًا بسيطًا، بعيدًا عن مظاهر السلطة، ليكون مملوء بالحب والدفء.
رينا، التي أتمّت عامها الرابع، لم تتوقف عن الحركة طوال النهار.
حملت علبة صغيرة ملفوفة بورق أزرق مزخرف بالفراشات، كانت تخفيها خلف ظهرها بخجل.
حين وقفت أمام أمها قالت بلهفة:
"ماما! هذه هديتي لك… صنعتها بنفسي!"
فتحت إلينورا العلبة، لتجد بداخلها سوارًا بسيطًا مصنوعًا من الخيوط الملوّنة والخرز، غير متقن لكنه مليء بالحب.
احتضنتها إلينورا بقوة، وعيناها تدمعان وهي تقول:
"إنه أجمل سوار رأيته في حياتي يا صغيرتي."
اما آرثر تقدم وهو يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا منقوشًا بعناية.
داخله كانت قلادة من الفضة مرصعة بحجر أزرق صافٍ، كان قد طلب من حرفيي القصر صنعها بنفسه بعد أن رسم تصميمها.
قال بخجل "أمي… أردت أن أهديك شيئًا يبقى معك دائمًا… مثلما أنتِ دائمًا بجانبنا."
إلينورا مدت يدها وربّتت على خده قائلة بابتسامة باكية:
"لقد أصبحت رجلاً نبيلاً حقيقيًا يا آرثر… شكراً يا صغيري."
إيان لم يرد أن يترك هذا اليوم دون أن يضيف لمساته الخاصة:
قاد إلينورا إلى الحديقة حيث تنتظرها عربة كبيرة مزيّنة و مليئة بالورود.
أخذ بيدها وقال لها وهو ينظر في عينيها:
"كل عام وأنتِ بخير يا زهرتي… بدونك ، لا معنى لكل ما بنيت."
ثم أهدى لها كتابًا فاخرًا للذكريات، صفحاته مزينة بالحرير، ليكتبوا فيه أجمل لحظاتهم العائلية مع الأطفال.
وفي المساء اجتمعوا حول مائدة صغيرة، فيها الكعكة التي خبزها الطهاة خصيصًا لإلينورا، مزينة بالشموع البيضاء.
آرثر أشعل الشموع بنفسه و رينا غنّت بصوتها العذب أغنية صغيرة من تأليفها البريء أما إلينورا أغمضت عينيها وتمنت أمنية.
ثم فتحتها لتجد وجوه أحبائها تضيء أكثر من أي شمعة.
قالت وهي تنظر إليهم:
"هذه هي أعظم هدية… أن أكون بينكم."
شروق شمس ربيعية دافئة، قرر إيان أن يفاجئ عائلته برحلة بعيدة عن القصر، رحلة جميلة .
قاد عربتهم الملكية بنفسه، وإلى جانبه جلست إلينورا، تلمع ابتسامتها الرقيقة، بينما جلس آرثر ورينا في الخلف مع جدتهم مارينا، تملأ ضحكاتهم الأجواء.
سارت العربة بين طرق خضراء، تحيط بها الأزهار البرية، حتى وصلوا إلى غابة إلدريا، حيث تقف شجرة الحياة العظيمة، شامخة بأغصانها البنفسجية المتوهجة، أوراقها تتساقط كقطرات نور سماوي.
إيان وقف أمام الشجرة للحظة، تذكر أول لقاء جمعه بإلينورا هنا، وكيف أسرت ابتسامتها قلبه منذ ذلك اليوم.
أمسك بيدها وهمس:
"هنا بدأت قصتنا… واليوم أعود معك ومع أطفالنا لنصنع ذكريات جديدة."
ركضت رينا حول الشجرة وهي تضحك، تجمع أوراقها البنفسجية المتساقطة وتضعها على شعرها كإكليل.
آرثر كان أكثر حماسة، رفع عصًا صغيرة وبدأ يتظاهر بأنه فارس يحرس الشجرة، بينما مارينا تضحك قائلة:
"تمامًا مثل أبيك عندما كان صغيرًا، يحمي من يحب."
إلينورا جلست بجوار الشجرة، مستندة إلى جذعها، بينما جلس إيان قربها، يحيطها بذراعه.
قالت وهي تنظر إلى الأطفال:
"أنظر إليهم يا إيان… إنهما أغلى ما أملك. لو كلفني الأمر حياتي سأبقى أحميهم."
أجابها وهو يلمس خدها بلطف:
"أنتِ لا تحمينهم وحدك، نحن معًا… دومًا."
حين بدأ الغروب يلون السماء بالبرتقالي والبنفسجي، أخذ إيان يد إلينورا وأوقفها وسط البساط الأخضر تحت الشجرة.
قال وهو ينحني قليلًا:
"هل تسمحين لي برقصة، كما فعلنا يوم اعترفت لكِ بحبي؟"
ابتسمت بخجل، ثم وضعت يدها في يده.
بدأ يرقصان بخطوات بطيئة، والنسيم يحمل أوراق الشجرة اللامعة من حولهما.
آرثر ورينا توقفا عن اللعب، يراقبان والديهما بانبهار.
مارينا ابتسمت وهي تهمس:
"حقًا، هما يبدوان كأمير وأميرة من قصص الخيال."
مع حلول الليل، أشعل إيان نارًا صغيرة، واجتمعوا حولها.
رينا غفت في حضن أمها وهي ممسكة بسوارها الصغير.
آرثر جلس بجوار جدته يروي لها أحلامه بأن يصبح يومًا فارسًا عظيمًا.
إيان رفع بصره إلى الشجرة وقال في نفسه:
"كما باركتِ لقائي الأول بها… باركي مستقبل أطفالنا أيضًا."
ثم غادروا الغابة في عودتهم إلى القصر، لكن قلوبهم امتلأت بدفء الذكريات الجديدة تحت شجرة الحياة.
مرت أسابيع قليلة بعد الرحلة، وكانت السعادة لا تزال تملأ القصر…
لكن شيئًا ما بدأ يتغير ببطء.
ذات صباح، لاحظت مارينا أن إلينورا لم تنزل لتناول الإفطار.
دخلت غرفتها فوجدتها مستلقية، وجهها شاحب، وعيناها نصف مغلقتين.
"لم أنم جيدًا…"
هكذا همست إلينورا، بصوت لا يشبه صوتها القوي اللطيف.
وعندما حاولت النهوض، ارتجف جسدها وسقطت برفق على الفراش.
مارينا لم تنتظر لحظة، أرسلت في طلب الطبيب الملكي.
دخل الطبيب مسرعًا، جسّ نبضها، وضع يده على جبينها…
ثم نظر إلى إيان الذي كان واقفًا عند الباب، قلبه يكاد يخرج من صدره.
"مولاي… إنها منهكة جدًا. ليست حمى، بل… انخفاض شديد في قوة الحياة."
جملة الطبيب طعنت قلب إيان طعنةً صامتة.
إلينورا أغلقت عينيها وقالت بصوت متعب:
"أنا بخير… فقط دعوني أرتاح."
لكن إيان كان يعرف الحقيقة…
لقد بدأ الثمن الذي دفعته يومًا لحماية تاريس يظهر بوضوح الآن.
رينا كانت أكثر من لاحظ التغيير.
كانت تدخل غرفة والدتها بقدمين صغيرتين هادئتين، تحمل معها زهور الحديقة التي تجمعها كل صباح.
تقف بجوار السرير وتهمس:
"ماما… استيقظي. قطفت هذه لكِ… مثل المرة السابقة."
تبتسم إلينورا وتضمها، لكن ذراعيها لم تعودا قويتين كما كانتا.
أما آرثر…
فقد أصبح أكثر جدية.
يتدرب بالسيف ساعات طويلة، ويتمرن على التعاويذ مع لويد بلا توقف.
كان يسأل كل ليلة:
"أبي… ماما ستتحسن، أليس كذلك؟"
وكان إيان يبتسم رغم ألمه:
"بالطبع… نحن نحاول كل شيء."
لكن آرثر كان ذكيًا…
كان يعلم أن ذلك ليس جوابًا حقيقيًا.
في تلك الليلة، حين نام الأطفال، جلس إيان بجوار سرير إلينورا.
كانت تتنفس بصعوبة، لكنه يمسك يدها وكأن العالم كله يستند عليها.
قال لها بصوت مرتجف:
"لن أبقى واقفًا دون فعل شيء. هناك طريقة… شجرة الحياة ليست مجرد ذكرى. إنها تحمل ما تبقى من سحرك."
فتحت عينيها ببطء، وقالت:
"إيان… لا تقترب من الشجرة مجددًا. لقد أخذتُ منها… ما يكفي. لا أريدك أنت أو الأطفال أن تدفعوا شيئًا مقابلها."
هزّ رأسه بإصرار:
"لو كان الأمر يخص حياتي… لما ترددت. أنتِ، إلينورا… أنتِ روحي. ولن أسمح للضوء الذي أنقذ المملكة بأن ينطفئ."
سقطت دمعة على خدها و ابتسمت بتعب.
في منتصف الليل، استدعى إيان أقرب أصدقائه:
لويد، صديقه ورفيقه منذ طفولته.
جلس الاثنان في مكتبة القصر، والشمعة الوحيدة بينهما ترتعش.
قال لويد بصوت منخفض "كنتُ أعلم أن هذا اليوم سيأتي."
إيان "أخبرني فقط… هل يمكن إنقاذها؟"
لويد أغمض عينيه لحظة، ثم قال:
"نعم…ربما لكن الثمن… سيكون كبيرًا."
إيان دون تردد "أيًا يكن. أنا مستعد."
لويد فتح عينيه ونظر إليه بجدية عميقة:
"الثمن… هو جزء من روحك أنت يا إيان. جزء من قوة حياتك. ستعطيه للشجرة، وستعيد الشجرة توازن الطاقة داخل جسد إلينورا."
ابتسم إيان وكأنه وجد ضوءً في نهاية نفق مظلم:
"إذن سأذهب إليها الليلة."
لكن لويد أمسك بيده وقال:
"تريث… إن فعلت ذلك، لن تموت… لكن حياتك ستقصر. قوتك ستضعف. لن تكون الملك نفسه الذي يعرفه الناس."
إيان لم يتردد ثانية "ماذا أكون اذا… إن لم أحميها؟"
لويد ابتسم بحزنٍ عميق "كنت أعلم أنك ستقول هذا."
في فجر اليوم التالي، حين كان القصر لا يزال نائمًا، خرج إيان وحده، يرتدي عباءة سوداء تخفي هالته الملكية.
قبل الخروج، دخل غرفة إلينورا كانت نائمة…
صوت تنفسها هادئ لكنه ثقيل.
جلس بجانبها، قبل جبهتها، ثم همس:
"عندما تستيقظين… أريدك أن تجدي نفسك بخير."
مرت أصابعه على شعرها برفق…
ثم نظر إليها كما لو أنه يخزن ملامحها في قلبه.
وعندما التفت ليخرج سمع صوتًا صغيرًا خلفه:
"أبي؟"
كانت رينا بعينيها الواسعتين، تحمل دميتها، تنظر إليه بقلق.
اقترب منها، حملها، وقال وهو يضمها:
"عودي إلى النوم يا أميرتي."
لكنها وضعت يدها على خده وقالت بصوت طفولي حزين:
"بابا… ماما متعبة… صح؟"
توقفت كلماته في حلقه، لكنه قال:
"ستتحسن… أعدك." ثم نامت بين ذراعيه ببراءة.
وكأن قلبها يثق بوعده أكثر مما يثق هو نفسه.
وضعها في سريرها، غطاها، ثم غادر القصر…
باتجاه شجرة الحياة.
وبداية القرار الذي سيغير مصير تاريس إلى الأبد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق