الأحد، 9 نوفمبر 2025

الفصل الثامن " ما وراء البوابة ..عودة الخطر" الكارثة الثالثة

 

مرت الشهور و السنوات دخل آرثر عامه الثالث كان الصغير قد أصبح مليئًا بالطاقة والفضول.

لم يعد يكتفي بالركض في أروقة القصر أو اللعب في حدائقه، بل صار يسعى إلى اكتشاف العالم من حوله بعينيه الزرقاوين اللامعتين كسماء صافية.

في صباح مشمس، قرر إيان أن يأخذ عائلته في نزهة خارج أسوار العاصمة.

ركبت إلينورا بجانبه في العربة الملكية، بينما جلس آرثر بينهما يلوح بيديه للناس الذين اصطفوا على الطريق لتحية العائلة الملكية.

 كانت ملامح الفخر والسعادة بادية على وجوه الجميع، فقد أحب الشعب ولي العهد الصغير كما أحبوا والديه.

كان الناس مذهولين للأمير الصغير.

" انظروا كم هو لطيف"

" جميل مثل أمه الملكة "

وصلوا إلى غابة إلدريا حيث تزينت الأشجار بظلالها الكثيفة وألوانها الساحرة.

 ترك إيان البروتوكولات جانبًا، وحمل ابنه على كتفيه وهو يقول:

إيان: "اليوم يا آرثر، ستتعلم أن العالم ليس كتبًا أو قاعات فحسب… بل هو الطبيعة، والناس، وكل ما حولك."

ضحكت إلينورا وهي تراقب زوجها وابنها، ثم مدت يدها لتقطف زهرة بنفسجية وتضعها في يد الصغير.

بعد لحظات من اللعب بين الأشجار، جلسوا بجوار بحيرة صغيرة صافية، وهناك أخرج لويد عصاه السحرية بابتسامة وهو يقول:

لويد: "حان الوقت لنرى إن كان ولي العهد قد ورث شيئًا من سحر روزالين."

جلس آرثر الصغير على ركبتيه بحماس، يحاول تقليد الحركات التي يريها له لويد.

ولدهشة الجميع، خرجت من بين أصابعه شرارة صغيرة من الضوء البنفسجي، تومض وتختفي، لكنها كانت نقية وقوية على الرغم من عمره الصغير.

إيان اتسعت عيناه دهشة، ثم ابتسم بفخر وهو يربت على كتف ابنه "إنها بداية عظيمة يا بني… ستتعلم كيف تستخدم قوتك لتحمي من تحب."

لكن الأمر لم يقف عند السحر فقط. فحين عادوا إلى القصر، بدأ إيان يدربه على الحركات القتالية الأساسية بسيف خشبي صغير.

 ورغم صغر سنه، كان آرثر سريع التعلم، يوازن خطواته ويحاول بجدية أن يقلد والده.

وبينما يضحك من سقوطه أحيانًا، كان ينهض بإصرار غريب على عمره.

إلينورا راقبت المشهد من بعيد، يملأها القلق والاعتزاز في الوقت نفسه.

اقتربت من إيان بعد انتهاء التدريب وقالت:

"إنه ما زال صغيرًا… لكنني أرى في عينيه نفس العزم الذي رأيته فيك أول مرة."

ابتسم إيان وهو ينظر إلى آرثر الذي يلوح بالعصا كأنه فارس حقيقي:

إيان: "لهذا السبب… علينا أن نوجهه بحب، حتى لا يثقل قلبه يومًا بما لا يحتمل."

هكذا بدأ آرثر أولى خطواته في طريق السحر والقتال، طريق سيقوده يومًا إلى أن يصبح أكثر من مجرد ولي عهد… سيصبح رمزًا لمستقبل تاريس كله.

بينما كان القصر يعيش لحظات هادئة مع العائلة الملكية، ومع ابتسامة آرثر التي صارت أملًا لكل من يراه، كانت خيوط الظلام تنسج مؤامرة جديدة في الخفاء.

 جماعة الظلام، التي هُزمت مرارًا على يد إيان، لم تنطفئ جذوتها.

بل ازدادت جرأةً بعد أن وجدت طريقًا نحو قوة أعمق وأشد رعبًا… البوابة.

في إحدى الليالي، اجتمع قادة الجماعة المظلمة داخل أطلال قديمة، حيث ارتفعت ألسنة النار السوداء وسط دائرة من النقوش المحرمة.

كان زعيمهم يهمس بكلمات غامضة:

"إن ما وراء البوابة… سيغرق العالم في الظلام ، هذه المرة سنجلب الخراب من أعماق الجحيم ذاته."

في تلك الأثناء، كان إيان جالسًا في مكتبه بالقصر، يكتب في دفتر مذكراته عن تدريبات آرثر الأولى، حين غفت عيناه فجأة، ودخل في حلم عميق لم يكن عاديًا.

وجد نفسه في ساحة بيضاء واسعة يغمرها النور، وهناك ظهرت أمامه روزالين، الإلهة الحامية، بجمالها الملائكي، شعرها الأبيض يتلألأ كالقمر، وأجنحتها البيضاء ممتدة في السماء، وعيناها البنفسجيتان تتوهجان بالقلق.

ابتسم إيان لرؤيتها " مضى وقت لم أراك فيه ... روزالين"

ابتسمت له روزالين " اصغي الي يا بطلي "

رفعت يدها وأظهرت أمامه مشهدًا مروعًا: بوابة عملاقة مظلمة محفورة في أعماق الجبال الشمالية، يحيط بها دخان أسود يتصاعد كأنه أرواح معذبة.

روزالين: "هذه هي البوابة… بوابة العالم السفلي. خُتمت منذ معركة السموات قبل آلاف السنين. خلفها يكمن خطر عظيم إن فُتحت… لن يكون هناك مكان للسلام سوف تتدفق جنود و قادة من الشياطين ."

شعر إيان بدمائه تبرد وهو يحدق بالمشهد، قبض على يده بقوة فرأى رمز الفراشة البنفسجية يلمع في كفه.

"هل تريدين مني أن أواجهه؟" قال إيان بقلق

وضعت روزالين يدها على يده بلطف "لن تواجهه وحدك الجميع معك، لكن الطريق سيكون محفوفًا بالمخاطر و بالتضحيات ، عليك أن تجمع أقوى القلوب حولك… لأن الشر القادم ليس مجرد عدو، بل كارثة قد تبتلع العوالم."

استيقظ إيان مفزوعًا، العرق يتصبب من جبينه، وعيناه تتوهجان بعزم جديد.

 كان يعلم أن الأيام القادمة ستضع مملكته على حافة الهاوية، وأن ما خلف البوابة" ليس مجرد أسطورة، بل نذير النهاية إن لم يستعد.

في الخارج، كان الليل هادئًا… لكن إيان شعر أن صمت السماء يخفي عاصفة مرعبة تقترب.

بعد رؤيا روزالين، لم يجد إيان وقتًا للراحة.

 في الليلة ذاتها، دعا لويد و لوسيان إلى اجتماع سري في قاعة صغيرة بالقصر، بعيدًا عن أعين النبلاء والجند. جلس الثلاثة حول طاولة خشبية، والقلق يسيطر على ملامحهم.

إيان: "رأيت روزالين… لقد حذرتني من بوابة العالم السفلي هناك الجماعة المظلمة عادت تعمل على فتحها، وإذا نجحوا، فكل ما بنيناه سينهار."

لويد أطرق رأسه بجدية، وصوته ثقيل:

لويد: "البوابة ليست أسطورة إذن… كنت أظنها مجرد حكاية قديمة. إذا فُتحت، ستطلق مخلوقات العالم السفلي… قوى لا يمكننا حتى تخيلها."

أما لوسيان، فرفع عينيه بثبات:

لوسيان: "إذا كان هذا القدر محتومًا، فعلينا أن نستعد له. لكن، يا مولاي، الشعب لا يحتمل إعلانًا كهذا الآن. سيزرع الرعب في قلوبهم."

إيان قبض يده، ورمز الفراشة البنفسجية بدأ يتوهج بخفوت.

إيان: "سأواجه هذا الخطر مهما كان الثمن. لكن لا أريد أن يكون شعبي ضحية الذعر. علينا أن نتحرك بحذر… نراقب تحركات الجماعة المظلمة، ونستعد في صمت." لويد أومأ برأسه: "سأعزز الأكاديمية السحرية وأدرب مجموعة مختارة من التلاميذ، نخبة جديدة قادرة على الوقوف بوجه الظلام."

وأضاف لوسيان: "وسأضاعف من يقظتي في القصر… لا بد أن يكون بينهم من يتسلل داخل أسوارنا."

بعد الاجتماع، عاد إيان إلى جناحه حيث كانت إلينورا تنتظره، قلق يملأ عينيها الزرقاوين. اقتربت منه بخطوات مترددة:

إلينورا: "إيان… وجهك شاحب، ويدك ترتجف… أرجوك، ما الذي تخفيه عني؟"

لم يستطع أن يخبرها بكل شيء، لكنه لم يشأ أن يتركها في الظلام.

 وضع يده على بطنها المنتفخ قليلًا، حيث كان ينمو طفلهما الثاني، وقبّلها برفق، ثم همس بصوت دافئ لكنه مفعم بالجدية:

إيان: "هناك خطر يقترب… خطر كبير. قد أُضطر للرحيل لمواجهته. أريدك أن تعتني بآرثر… وبطفلنا القادم. مهما حدث… أنتما نوري الذي يقودني."

تلألأت عيناها بالدموع، لكنها ابتسمت ابتسامة خجولة وهي تضع يدها على يده:

"لن أتركك تواجهه وحدك… أعدك أن أحمي أبناءنا كما تحمي أنت المملكة."

ضمها إيان إلى صدره بقوة، وكأن هذا العناق سوف يحميهما من هذا الظلام الذي يقترب.

في تلك اللحظة، لم يكن ملكًا ولا بطلاً، بل زوجًا وأبًا، يخشى على عائلته أكثر من أي شيء آخر.

أما بعيدًا عن دفء القصر، في أطلال شمال تاريس، كانت جماعة الظلام قد بدأت طقوسها الأولى.

 الأرض تهتز من همساتهم، والدخان الأسود يتصاعد من الشقوق القديمة ، البوابة… بدأت تتنفس.

في فجرٍ بارد، ارتجّت الأرض تحت أقدام الجنود المرابطين في الحدود الشمالية.

كانت أصوات غريبة تُسمع من بعيد: صرخات مشوّهة، كأنها خليط بين عواء الذئاب وأنين البشر.

 حملت الرياح معها راوئح خانقة، وكأن العالم نفسه يعلن قدوم الكارثة.

وصل رسول مذعور إلى العاصمة، وهو يلهث وركبته دامية من طول الطريق:

الرسول: "مولاي!… شيء خرج من الشقوق عند الأطلال… كائنات مظلمة! الفرسان يقاومون… لكنهم لا اعدادهم كبيرة!"

وقف إيان بجدية، وأمر فورًا بالاجتماع الحربي. جلس بجانبه لويد، وعلى الجانب الآخر روزالين بهيبتها المهيبة وعيونها البنفسجية المضيئة كالجمر.

إيان: "لقد بدأت البوابة تتنفس… إذا لم نوقفها الآن، ستنفتح بالكامل."

لويد (بصوت حازم): "سأقود الصفوف الأولى. نخبة السحرة معي، وطلاب الأكاديمية الذين اخترتهم"

ظهرت روزالين بهيئتها الملائكية ، انحنى الجميع لها روزالين تنظر إلى الاثنين بهدوء "ارفعوا رؤوسكم يا أبناء تاريس…هذه ليست سوى شظايا، مخلوقات صغيرة تُدعى خدم الجحيم. إذا ظهروا الآن، فاعلموا أن الوقت قصير قبل أن يخرج ما هو أعظم."

استعد الجميع و حانت ليلة التحرك، وقف إيان أمام جنوده، يرتدي درعه الأسود الموشّى بالفضة، وعيناه البنفسجيتان تلمعان تحت أضواء المشاعل.

رفع سيفه العالي وقال بصوت عميق يسمعه الجميع "أيها الأبطال… الليلة لسنا نحمي القصر فقط، بل نحمي أحبابنا و أحلام أطفالنا ومستقبل تاريس."

ركبوا الجياد و انطلقوا متجهين للأطلال.

عند وصولهم للأطلال، وجدوا البوابة القديمة نصف غارقة في الظلام، كأنها عين ضخمة تحاول أن تنفتح. 

فجأة، اندفعت من الشقوق مخلوقات غريبة ،أجسادها سوداء كالفحم.

عيونها حمراء متوهجة ، مخالبها طويلة كالسيوف.

انطلقت نحو الجنود بسرعة جنونية ، لويد تقدم أولًا، ورفع عصاه السحرية، فأطلق دائرة زرقاء ضخمة شلت حركتهم لثوانٍ.

لويد: "الآن يا فرسان، تقدّموا!"

انقضّ فرسان روزالين بمهارة و مع كل ضربة من سيوفهم تمزق الظلام وتترك خلفها غبارًا متلألئًا.

أما روزالين نفسها، فرفعت يديها، فانفتحت سماء الليل عن دوامة من الفراشات البنفسجية التي هاجمت المخلوقات وأحرقتها بأجنحتها المتوهجة "

إيان دخل قلب المعركة، يضرب بسيفه المشتعل بالرمز الملكي، كل ضربة منه تُسقط اثنين أو ثلاثة من المخلوقات دفعة واحدة.

كان القتال حاميًا، الصرخات تختلط بقرع السيوف، و الهواء مشبع برائحة الرماد والدم.

لكن، وسط الانتصار الجزئي، سمعوا فجأة صرخة عميقة هزّت السماء، وارتجفت الأرض تحت أقدامهم.

من أعماق البوابة، ظهرت مخالب عملاقة لوهلة، قبل أن تتراجع بسرعة.

همست روزالين بصوت ثقيل "لقد استيقظ ما وراء البوابة… لم يعد أمامنا سوى وقت قصير قبل أن يُكملوا الطقوس."

نظر إليها إيان، عرق بارد يتصبب من جبينه

" لا تقلق روزالين... سوف ننجح انتِ معنا و نحن معك"

ابتسمت له روزالين و بعد أن نجح إيان ورفاقه في صدّ الموجة الأولى من مخلوقات الظلام، تقدّموا نحو البوابة المتصدعة التي ما زالت تنبض وكأنها قلب شيطاني يوشك على الانفجار.

وقف الجميع للحظة، والهواء من حولهم ثقيل، ممزوج بصوت دقات غريبة تأتي من الداخل.

روزالين (بصوت هادئ، لكنه حازم):

"إذا تُركت البوابة هكذا، فستبتلع عالمكم… لا خيار سوى دخولها وإيقاف مصدر الشر من الداخل."

تبادل إيان و لويد نظرات صامتة، كلاهما يدرك حجم المخاطرة، لكنهما يعرفان أيضًا أنه لا عودة بعد الآن.

رفع إيان سيفه وقال بصوتٍ ثابت:

إيان: "فلنخطُ معًا… من أجل تاريس."

حين دخلوا البوابة، اجتاحتهم موجة من الظلام، أشبه بتيارٍ يسحبهم لأسفل بلا نهاية.

أصوات غريبة همست في آذانهم، كأنها أصوات آلاف الأرواح تصرخ وتبكي في آنٍ واحد.

فجأة، ارتطموا بالأرض.

فتح إيان عينيه ليرى المشهد المروّع سماء سوداء لا قمر فيها، تتخللها شقوق من نار حمراء.

أرض قاحلة متشققة، ينبعث من شقوقها بخار كبريتي خانق.

أشجار متحجرة، ملتوية كالأصابع الملعونة و في البعيد، جبال سوداء تتدفق منها أنهار من الحمم السوداء، تقطع الأرض مثل جراح عميقة.

وفجأة سمعوا أصوات هدير، فالتفتوا ليجدوا حشودًا من الوحوش مخلوقات بأجساد ضخمة وجلد متشقق ينزف نارًا.

خرى بأجنحة عظمية تصرخ وهي تحلق و وحوش زاحفة بعيون كثيرة تلمع كالجمر.

كان المكان يبدو وكأنه عالم الموتى، أرض لم يطأها اي بشر.

لويد (متوتر وهو يتمتم):

"هذا… ليس عالمًا طبيعيًا… إنه قاع الجحيم ذاته."

روزالين (تنظر بعيدًا، وجهها جاد):

"هذا هو العالم السفلي… هنا نُفيت قوى الشر القديم بعد معركة السموات. لكن البوابة فتحت ثغرة، وما كان محبوسًا بدأ يستيقظ."

وقف إيان متأملًا جيوش الوحوش التي ملأت الأفق، قلبه يضرب بعنف، لكنه قبض على سيفه بإحكام "لن أسمح لهذا الظلام بعبور عالَمنا… حتى لو كانت هذه معركة لا عودة منها."

اقترب منه أحد فرسان روزالين ، ووضع يده على كتفه:

"مولاي، لسنا وحدنا. النور معنا."

ارتفعت أصوات الفرسان والسحرة بهتافات حماسية، تقطع صمت العالم السفلي الموحش.

وفي تلك اللحظة، بدأ الوحوش يزأرون، الأرض تهتز مع كل خطوة لهم، كأن العالم نفسه يستعد للانفجار.

بعد أن هدأ صخب المعركة الأولى، تقدّم إيان وجيشه المثقل بالجراح نحو الأفق حيث ترتفع القلعة الملعونة.

كانت تبدو كأنها الجحيم نفسه، أبراج سوداء ملتوية نحو السماء، تتدلى منها سلاسل حديدية عملاقة.

جدرانها من عظام متكلسة، متشابكة مع الحجارة الملطخة بالدماء.

أصوات همسات غامضة تتردد مع كل نسمة ريح، كأنها أرواح معذبة لا تنام.

لويد (بهمس) "هذا مخيف … إنها مثل قبر حي."

عندما دخلوا البوابة الحديدية السوداء، أُغلقت خلفهم بقوة، فاهتزت الأرض تحت أقدامهم.

ارتفع فجأة صوت ضحكة شيطانية في الأرجاء، فتجمدت الدماء في العروق.

روزالين حمست بصوت يصل إلى إيان وحده "كن حذرًا"

تقدّموا عبر ممر طويل مظلم، أرضيته مغطاة بدماء متجلدة، وعلى الجدران جماجم مضاءة بنيران زرقاء.

فجأة، انغلق الممر خلفهم وبدأت الجدران تتحرك لتسحقهم.

صرخ أحد الفرسان: "الجدران تتحرك!"

لكن إيان ركز طاقته وضرب الأرض بسيفه، فانطلقت موجة ضوء بنفسجي فتحت ممراً آخر جانبيًا، أنقذهم في آخر لحظة قبل ان تحبسهم الجدران.

اكملوا سيرهم حتى دخلوا قاعة واسعة يعلوها سقف مشقق. وفجأة ارتفعت من الأرض أشباح سوداء، كأنها بقايا أرواح محبوسة كانت تصرخ وتهاجم بعواء يمزق الأذن.

لويد قال وهو يرسم دائرة سحرية كبيرة أطلقت نورًا مقدسًا طهّر الاشباح " دع الأمر لي."

لكن أحد الأشباح اخترق الدائرة، واقترب من إيان ليغرس مخالبه في صدره.

رفع إيان يده وعليها رمز الفراشة، فأطلق شعاعًا بنفسجياً مبهرًا مزّق الشبح كالدخان.

"طالما نور روزالين في قلبي، فلن يلمسني ظلامكم."

تابعوا سيرهم و وصلوا إلى قاعة تغمرها برك من الدماء، وفي الوسط تمثال ضخم لشيطان بأربع أذرع.

ما إن خطوا داخلها حتى اهتز التمثال وتحرك، ليظهر حارس القلعة.

كان طوله عشرة أمتار، يلوّح بمطارق هائلة من العظم والنار.

ضرب الأرض فارتجت القاعة وسقط بعض الفرسان أرضًا.

صاح إيان " لا تخافوا يا حماة تاريس ، أعيروني قوتكم " انطلق بسرعة الخيول و قفز بجرأة على ذراعه محاولًا الوصول إلى رأسه.

لويد استحضر سيوفًا من النور تحلق حول التمثال وتهاجم مفاصله.

الفرسان ركزوا الضربات على ساقيه حتى انهار التمثال على الأرض.

اقترب منه إيان لكنه صدع بإحدى اذرعه رماه بعيدا.

تقلب و نزل على ركبتيه " انه صلب."

أطلق لويد سهام نارية أصابت التمثال و بقية السحرة أطلقوا تعاويذ حبال شوية مقيدة وأخيرًا، غرَز إيان سيفه في صدره، فانفجر إلى شظايا سوداء.

بعد ساعات من القتال والفخاخ، وصلوا إلى الممر الأخير.

الهواء أصبح خانقًا، مليئًا برائحة الكبريت والدم.

وفي نهايته، ظهرت بوابة عملاقة من الظلام النابض، تتدلى منها سلاسل تئن بصوت معدني.

لويد (بتعب لكنه ثابت):

"وراء هذه البوابة… يوجد مصدر الشر، ملك هذا الجحيم."

إيان، يمسح العرق والدم عن وجهه، ثم يرفع سيفه:

"فلننهي كل شيء و لنعد معا إلى منزلنا... إلى تاريس."

حين انفتحت البوابة العملاقة، غمر الظلام القاعة كطوفان أسود.

ارتجفت الأرض، وارتفعت حرارة الجو حتى بدت كأن القلعة كلها تحترق.

في الداخل، ظهرت قاعة هائلة و جدرانها من العظام المتشابكة.

أعمدة ملتوية تصعد حتى تختفي في العتمة وفي المركز، شرنقة عملاقة من لحم مظلم، تنبض ببطء كقلب كوني.

من داخل الشرنقة، يخرج صوت زئير مكتوم، كأنه يأتي من أعماق الجحيم.

لويد (بقلق بالغ):

"إنه… لم يكتمل بعد… إن خرج بالكامل، فلن نوقفه أبدًا."

فجأة، تمزقت أطراف الشرنقة، وخرجت منها أذرع شيطانية عملاقة مغطاة بالقشور السوداء.

كانت العيون الحمراء تتفتح على جسده النابض، تلمع بوحشية لا توصف.

صرخ إيان بأعلى صوته "لن نسمح لك " ثم اندفع مع فرسان روزالين نحو الوحش.

أطلق ملك الشياطين شعاعًا من نار سوداء اجتاح القاعة.

رفع فرسان روزالين دروعهم المضيئة، لتتشكل قبة نور صدّت الهجوم.

إيان استغل اللحظة، قفز فوق الشعاع واقترب من الشرنقة، مغرزًا سيفه في جسدها النابض.

اندلع صراخ رهيب، والشرنقة ارتجفت كأنها تحتضر.

الأذرع الضخمة ضربت الأرض بعنف، فتشقق البلاط العظمي وسقط بعض الفرسان في هاويات سفلية.

لويد أطلق تعويذة "سلاسل الروح"، فظهرت قيود نورانية أمسكت بعض الأذرع لتمنح إيان فرصة.

السحرة أطلقوا عواصف نارية ورياحًا مقدسة، لكن جسد الكائن امتص معظمها.

روزالين خاطبت إيان في داخله "اجعل النور يقودك فهذه الروح الملعونة لا تتحمل نقاء الحياة."

وهنا، اشتعلت علامة الفراشة على يده، وانفجر منها نور بنفسجي مقدس امتد إلى سيفه.

قفز إيان من فوق أعمدة العظام، وعيناه تشعان بالعزم.

صرخ بكل قوته "باسم تاريس! باسم روزالين!"

وغرز سيفه المشع في قلب الشرنقة.

ارتفع صراخ ملك الشياطين، أعمى الأبصار، وبدأ جسده يتشقق ويذوب إلى رماد أسود.

انفجر نور هائل ملأ القلعة، تبعثر الظلام في كل مكان.

عندما انقشع الغبار، كانت الشرنقة قد تلاشت، ولم يبق سوى رماد يتطاير في الهواء.

جلس إيان على ركبتيه، يلهث من شدة الإرهاق، بينما لويد والفرسان يتطلعون حولهم بدهشة.

لويد (يبتسم رغم التعب):

"لقد فعلناها… لقد نجحنا، إيان!"

بعد أيام من المسير عبر الظلام، انفتح الشق الذي عبر منه إيان ورفاقه، وانبعث نور العالم العلوي من جديد، ليغمرهم بدفء افتقدوه في جحيم العالم السفلي.

خطوا خارج البوابة، يجرون خلفهم ذكريات الدماء والدمار، وأرواح رفاق سقطوا في القتال.

حين عادوا للعاصمة كانت الشوارع مكتظة بالناس.

النساء يرمين الزهور البنفسجية من النوافذ.

الأطفال يركضون خلف الفرسان يهتفون باسم إيان.

أجراس المعابد تقرع فرحًا بعودة منقذي المملكة.

لكن عيون الجميع لم تخلُ من الدموع، فهم يعلمون أن هذا النصر كُتب بدماء كثيرة.

عندما وصل للقصر وجد أحبائه ينتظرونه ، عندما لمحه آرثر قال بصوت مبتهج " أمي، أبي لقد عاد، أبي ." و ركض اليه بقدميه الصغيرتين انحنى إيان رغم جراحه، واحتضن ابنه بقوة، ثم رفعه عاليًا، والدموع تلمع في عينيه.

عانقه بقوة يشم رائحتها التي ازكى من الزهور.

اقتربت إلينورا، وضعت يدها على وجهه برفق، وقالت بصوت مرتجف:

"لقد عدت… كنت خائفة أن أفقدك."

ابتسم إيان وهو يمسك بيدها ويقبلها "لن يفرقنا شيء… وعدتكم أن أعود، وها أنا أمامكما."

ثم قبّل جبينها وهو يضمها مع آرثر لصدرة بحب .

لويد يقف خلفه بتعب " و ماذا عني الن يعانقني أحد." ضحك الجميع و قال آرثر الصغير و هو يمد يده " أنا اعانقك معلمي."

حمله لويد عالياً و ضمها بقوة " انت لطيف ، انت اجمل تلميذ."

بعد لقاء جميل اتجه إيان و لويد لمشفى القصر لتلقي العلاج و ضماد الجروح حيث ان لوسيان اعتنى بهم و كان القلق بادياً عليه الهم.

لاحظ إيان الأمر و قال بقلق" هل انت بخير يا لوسيان؟"

ثم قال لويد " هل حصل شيء بغيابنا ؟"

لكن الصمت عم المكان و بعد ان انتهى من تضميد جراحه اتجه و دخل إلى جناحه حيث كانت إلينورا تنتظره.

بوجه قلق و على وشك البكاء " أخبرني لوسيان لماذا فعلتي هذا؟ ، لما لم تخبرني روزالين."

جلست بجانبه وهي تضع يدها على وجهه بلطف قائلة:

"لقد كنتَ بطل الجميع… لكنك دائمًا بطلنا ، أنا و آرثر و لكن هذه المرة أريد أن أكون بطلتك."

أمسك إيان بيدها بوجهٍ حزين " ظننت أننا هزمنا ملك الشياطين بسهولة لكن كانت تضحيتك هي من اضعفته."

في وقت سابق بينما كانوا في العالم السفلي، بينما كانت المعركة محتدمة كان إلينورا تفكر كيف يمكنها ان تساعد.

سمعت صوت لطيف يهمس باسمها " إلينورا " علت الدهشة وجهها الجميل " من ؟ من هناك ؟".

بصوت حنون أجاب " شجرة الحياة تضعف مع الوقت استعملت قوتي في السنوات الماضية إيان و الأبطال يقاتلون."

علا الخوف وجهها و ضمت يدها لصدرها " ماذا أفعل ؟"

شعرت بيد دافئة على وجهها " امنحي حبك و قوتك و حياتك لشجرة الحياة."

ترددت للحظة ثم قالت بعزم " أرجوك روزالين." ضحت إلينورا بجزء من حياتها لدمج سحرها مع طاقة الشجرة .

لم تتردد في اتخاذ قرارها لحماية كل ما هو عزيز عليها .

لذا قامت روزالين بربط سحرها و جزء من طاقة حياتها بجذور شجرة الحياة، مما أدى إلى اندفاع طاقة سحرية قوية محملة بمشاعر صادقة .

تدفقت طاقة الحياة لتغمر الشجرة إلى أن تفتحت أزهارها البنفسجية ،مما أعاد الحياة إلى الأرض المحيطة بها.

امتدت جذورها للعالم السفلي و سمعت ألينورا صوتًا حنوناً " شكرا لك "

عانقها إيان بقوة و بكى بصمت بينما هي كانت تمسح على شعره بحب.

الجميع كان سعيد بانتهاء هذه الكارثة لكن إيان كان يعلم أن ثمن هذا النصر كان عظيماً.

ابتسم إيان بتعب، ثم نظر إلى ابنه الذي ينام بسلام و كأنه رمز النور القادم بعد الظلام.

فهمس في مذكراته تلك الليلة:

"قد نكسب الحروب… لكن ما يمنحني القوة حقًا هو أن أعود وأجد عائلتي هنا ، لن اجعل تضحية إلينورا تكون بلا فائدة سأجعل تاريس أجمل بقاع الأرض."


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الفصل الثالث عشر ظل في الأكاديمية

استيقظت رينا قبل شروق الشمس بقليل لم يكن هناك صوت في القصر. حتى الطيور لم تستيقظ بعد، لكن قلبها كان ينبض بسرعة غريبة. فتحت عينيها وحدقت في ...