مرّت أسابيع بعد المعركة، بقي خلالها إيان تحت رعاية لويد وأطباء القصر.
الندوب على جسده لم تختفِ، لكنها تحولت إلى وسامٍ يحكي عن صموده.
كان الشعب يرسل الورود كل صباح إلى بوابة القصر، كعهد بالحب والامتنان، وكان صوت التراتيل في معبد روزالين لا ينقطع.
في إحدى الصباحات، خرج إيان لأول مرة بعد شفائه إلى شرفات القصر.
وقف هناك يتنفس نسيم الفجر، وعيناه تلمعان بالأمل:
"لقد حان وقت العمل."
مع اقترب موعد عيد ميلاد إلينورا الثامن عشر أمر إيان بأن يُقام احتفال كبير في القصر.
تُزين فيه الأروقة بالزهور البيضاء والبنفسجية، وتُضاء القناديل الكريستالية في كل الممرات.
كانت إلينورا ترتدي فستانًا سماويّ اللون، يلمع كالموج تحت ضوء القمر.
شعرها البني الذهبي انسدل كجدولٍ ناعم على كتفيها، وعلى رأسها تاج صغير مرصّع بأحجار ناعمة، هدية من إيان.
حين دخلت القاعة الكبرى، سكتت الأصوات جميعًا لبرهة، وكأن الحضور أمام حلمٍ متجسد.
تقدّم إيان بخطوات ثابتة، أخذ يدها برفق، وقال أمام الجميع:
"اليوم لا نحتفل ببلوغك فقط، بل نحتفل بالقدر حين جمعني بك."
تصفيق عظيم دوّى في القاعة، وامتلأت الوجوه بالابتسامة، لكن عينَي إلينورا كانتا غارقتين فقط في نظراته.
أصوات الموسيقى تعزف الحان الحب ، رقصا معاً نظراتهما البراقة تجاه بعضهما أضفى جوً ساحراً.
بعد انتهاء الاحتفال، وبينما أضاء القمر بضيائه الفضي حديقة القصر، اصطحب إيان إلينورا إلى الشرفة المطلة على البحيرة.
أهدى لها عقدًا من الكريستال البنفسجي، منقوشًا عليه رمز فراشة روزالين.
قال وهو يضعه حول عنقها:
"كلما لامس ضوء القمر هذه الأحجار، ستذكرك بأنك النور الذي يرشدني."
احمرّ وجهها بخجل، لكنها وضعت يديها على وجنتيه وهمست "شكرا لك إيان إنها جميلة وأنت عالمي الذي أحلم به."
كانت الغرفة غارقة في نور الشموع، ورائحة الياسمين تعبق في أرجائها.
اقترب إيان من إلينورا، وقد بدا في عينيه مزيجٌ من الحنان والشوق العميق.
لم تكن هي الفتاة البريئة في غابة إلدريا فحسب، بل أصبحت المرأة التي أسرته، التي صار قلبه وملكه وحياته.
جلس بقربها على حافة السرير الملكي المطرز بالحرير، ومد يده يلمس شعرها المتساقط على كتفيها.
قال بصوت خافت:
"كل ما خضته من حروب… كل ما كافحت من أجله، لم يكن له معنى لولا أنك هنا الآن."
وضعت كفها على قلبه، وهمست:
"وأنا… كنت دومًا أؤمن أن قدري هو أن أكون إلى جانبك، أشاركك همومك، وأمنحك الدفء الذي حُرمتَ منه."
اقتربت أكثر، فشعر بأنفاسها الدافئة تلفح وجهه.
لم يستطع أن يقاوم الرغبة التي تفجرت في داخله، فطبع على شفتيها قبلة طويلة، امتزج فيها الشوق بالحب، والحنان بالرغبة.
بين ذراعيه شعرت إلينورا بالأمان، بينما بين لمساتها شعر إيان أنه لم يعد ملكًا يحكم عرشًا، بل رجلًا يذوب في أنوثة محبوبته.
في هذه اللحظة تحررا من قيود الزمن، فتداخلت همساتهما وضحكاتهما الخافتة، وارتجفت أجسادهما تحت وطأة العاطفة الجارفة.
كل لمسة كانت وعدًا، وكل قبلة كانت قسمًا على صدق حبهما.
حين انصهرت أنفاسهما، بدا وكأن أرواحهما التقت قبل أن تلتقي أجسادهما، في اتحادٍ سماوي باركه القمر نفسه.
كان جسدها كزهرة تتفتح بين يديه، وكان حبه كالماء الذي يرويها.
ومع كل لحظةٍ يقترب فيها منها، كان يسمع دقات قلبها تصرخ باسمه.
أما هي، فقد غاصت في صدره، وكأنها وجدت العالم كله بين ذراعيه.
وبين لهيب العاطفة ورقة العناق، وُلدت لحظة مقدسة؛ لم يكن فيها ملك ولا ملكة، بل عاشقان تحررا من كل شيء إلا من حبٍ خالصٍ نقي.
حين استقرت أنفاسهما، ابتسمت إلينورا وهي تضع رأسها على صدره، تستمع لنبضه المنتظم.
همست بعذوبة "عدني يا إيان… أن تكون هذه الليلة بداية حياةٍ لا نفترق فيها."
أمسك يدها، وقبّلها برفق، ثم قال بثقةٍ وعاطفة:
"أقسم لكِ أمام روزالين، أمام القمر والنجوم… لن يفرقنا شيء، سنكون معاً دائماً ."
وفي تلك الليلة، لم يكن القصر شاهداً على اتحاد ملكٍ و ملكة فقط، بل على بداية أسطورة حبٍ ستُروى للأجيال القادمة.
استيقظت الشمس على قصر تاريس الملكي، و قد بدأ حياتهما الجديدة كزوجين.
كان إيان يحرص كل صباح على مشاركتها جولاته في حدائق القصر، يقطف لها زهرة ليضعها في شعرها، بينما كانت تضحك برقتها التي تسحر قلبه.
لم يعد ملكًا فقط، بل صار زوجًا محبًا، يشاركها كل لحظة صغيرة من تناول الطعام على مائدة هادئة، إلى السهر على الشرفة يتأملان النجوم.
كان لويد يمازحه أحيانًا:
"لقد صرت أقل صرامة في المجلس منذ تزوجت."
فيرد إيان مبتسمًا وهو ينظر إلى إلينورا:
"وكيف لا، وهي تجلب السكينة إلى قلبي؟"
مرت الشهور، وبدأت ملامح التغيير تظهر على إلينورا.
شعرت بضعفٍ لطيف وتعبٍ غير معتاد، ومع الأيام لاحظ إيان إشراقًا مختلفًا في وجهها.
وفي أحد الأيام، دخلت عليها كبيرات الطبيبات في القصر وابتسمن قائلات:
"مولاتي… مبارك أنتِ تحملين الحياة و وريث تاريس."
تجمدت الكلمات على شفتيها للحظة، ثم غمرت دموع الفرح عينيها.
حين أخبرت إيان، لم يصدق في البداية، لكنه حين وضع يده على بطنها، شعر أن قلبه يكاد ينفجر من السعادة.
ضمها إليه وقال بصوتٍ مرتجف:
"إلينورا… سأصبح أبًا؟"
أجابت مبتسمة بين دموعها:
"ونحن سنمنح تاريس أميرها القادم او اميرتها ."
انتشر الخبر كالنار في الهشيم في شوارع تاريس.
الناس خرجوا يهتفون، يوزعون الزهور والحلوى، وأقيمت الصلوات في معابد روزالين، شاكرين أن المملكة ستشهد ولادة ولي عهد جديد.
القرى أرسلت هدايا من محاصيلها، والحدادون صنعوا أجراسًا خاصة تُقرع كل مساء فرحًا بالبشرى.
جلس لويد قرب إيان في قاعة العرش، وقال وهو يبتسم بحنان "كنتُ شاهدًا على مغامراتك كصبيٍّ يتنقل بين القرى، والآن سأشهدك أبًا و انت بتاسعة عشر، روزالين باركتك حقًا يا صديقي."
ضحك إيان قائلاً " أسرع و تزوج انت أيضا فانت بالعشرين"
أما المستشار لوسيان، الذي ظل حاميًا لإيان منذ تتويجه، انحنى احترامًا وقال:
"لقد كنتَ أمل تاريس كملك، والآن ستكون أملاً جديدًا كأب. ولي العهد القادم سيحمل من صفاتك الكثير."
إيان لم يستطع إخفاء دموعه، فجلس بجانب إلينورا، يمسك يدها بلطف، وقال لها أمام الجميع:
"لم أكن أطلب من الحياة أكثر من هذا… مملكة مزدهرة، وشعب سعيد، وأنتِ إلى جانبي، وطفل ينتظر أن يرى النور."
بدأت أيام إلينورا تتغير مع حملها، فبدت أكثر هدوءًا، وأكثر إشراقًا.
كان القصر يملأه دفء خاص، كأن جدرانه صارت تتنفس حياة جديدة.
إيان لم يكن يتركها وحيدة، حتى في أكثر لحظاته انشغالًا.
كان يرافقها في نزهاتها في الحدائق، يمسك يدها برفق، يضع أذنه على بطنها وكأنه يستمع لهمس قلب صغير ينمو.
قال لها في إحدى المرات وهو يبتسم:
"ربما سيكون أميرًا شجاعًا… أو أميرة رقيقة كأمها."
ضحكت إلينورا، وردت:
"سواء كان امير او أميرة، سيولد محاطًا بالحب."
لويد كان يزورهم باستمرار، ويمازح إلينورا قائلاً:
"إيان لم يعد ملكًا صارمًا، بل ممرضًا متفانيًا."
فتجيبه بابتسامة:
"هو أكثر من ذلك، إنه أب منذ الآن."
أما لوسيان، فكان يراقب هذه اللحظات بصمتٍ عميق، وكأن قلبه العجوز يستعيد شبابه برؤية الوئام الذي غمر القصر.
حتى الشعب، صاروا يتحدثون عن إلينورا بحب، يرسلون لها الأدعية والزهور كل صباح، ويغنون بأملٍ عن ولي العهد الذي سيولد قريبًا.
في كل مساء، كان إيان يختلي بنفسه في مكتبه، يفتح دفترًا جلديًا صغيرًا، ويبدأ بكتابة مذكراته:
"اليوم رأيت إلينورا تبتسم وهي تضع يدها على بطنها. لم أرَ يومًا جمالًا أعظم من ذلك."
شعرت أن هذا الطفل القادم هو رسالة من روزالين، وعدٌ بأن النور سيبقى في تاريس مهما حلّت الظلمات.
أعد نفسي أن أكون أبًا صالحًا، كما سعيت أن أكون ملكًا عادلًا.
سأروي له كيف حمت أمه قلبي و كيف التقينا وسأعلمه أن الحب هو السيف الأقوى."
كان يغلق مذكراته بعدها ويعود إليها، يضع رأسها على صدره ويهمس:
"كل ما أتمناه أن يكبر طفلنا في عالمٍ يسوده السلام."
مرت الشهور، وازدادت إلينورا جمالًا مع حملها، وصارت كل خطوة لها محاطة بعناية الملك.
القصر امتلأ بالبهجة ، والناس ينتظرون بلهفة اليوم العظيم.
وفي كل ليلة، كان القمر يطل على نوافذ القصر، كأنه يبارك رحلة هذه العائلة الصغيرة التي غيّرت قدر تاريس.
حلّت الليلة المنتظرة، والسماء ملبدة بالغيوم لكن النجوم كانت تتسلل بينها كأنها تراقب المشهد.
في القصر، غمرت الأجواء توترًا ممزوجًا بالأمل.
إلينورا كانت في جناحها، يحيط بها الأطباء والقابلات، فيما وقف إيان خارج الغرفة، يداه ترتجفان لأول مرة منذ سنوات.
لقد خاض الحروب و المغامرات، واجه الموت، حمل السيف أمام التنانين والظلام… لكنه الآن يقف عاجزًا أمام قلقه على من يحب.
سمع صرخاتها، فاندفع قلبه، لكنه تماسك حين وضع لويد يده على كتفه قائلاً:
"كن قويًا يا إيان… ستكون بخير"
ومع اقتراب منتصف الليل، دوى صوت بكاء طفلٍ لأول مرة في أرجاء القصر.
هرعت القابلة إلى إيان، عيناها تلمعان:
"مولاي… لقد وُلد ولي العهد!"
دخل مسرعًا، ليجد إلينورا مرهقة لكنها تبتسم بفرحٍ لم يره من قبل.
بين ذراعيها، كان هناك طفل صغير، عيناه زرقاوان كأمه، وشعره البني الذهبي يلمع تحت ضوء القمر.
اقترب بخطوات بطيئة، جثا بجانبها، وعيناه ممتلئتان بالدموع " إلينورا "
مدّت إلينورا الطفل نحوه وهمست:
"إيان… هذا ابننا اختر له اسماً."
حمله بين ذراعيه برفق، قلبه يكاد ينفجر من الحب والفخر.
"آرثر… سيكون اسمك آرثر، لتكبر شجاعًا، عادلًا، و محاط بالحب، شكرا لك روزالين."
مع بزوغ الفجر تم الإعلان عن ولادة ولي العهد "بُشراكُم يا أهل تاريس! لقد وُلد ولي العهد آرثر"
انطلقت أجراس المعابد، وارتفعت الهتافات في الشوارع.
الناس أضاءوا المشاعل، وغنوا بأهازيج الفرح.
في جناحهما، جلس إيان بجانب إلينورا، يراقب الطفل الصغير وهو نائم بين ذراعيها.
قال وهو يمسح على جبينه:
"لم أشعر يومًا بالسلام كما أشعر الآن."
ابتسمت إلينورا، ودموعها ما زالت تلمع:
"لقد أعطتنا روزالين هدية أعظم من أي انتصار… عائلة."
اقترب منها، قبّل جبينها، ثم قبّل يدها وهمس:
"لقد أنقذتِ حياتي في اليوم الذي عرفتك به، واليوم منحتِ حياتي معنى جديدًا."
ووسط تلك اللحظة، شعر الاثنان أن ميلاد آرثر لم يكن ميلاد أميرٍ فحسب، بل ميلاد عهد جديد لتاريس، عهدٍ يمتزج فيه الحب بالسلام.
كان القصر الملكي يضجّ بالحياة منذ ولادة ولي العهد آرثر، لكن الأجواء في قاعة العائلة كانت مختلفة تمامًا؛ مليئة بالضحكات البريئة ودفء اللحظات البسيطة.
في أشهره الأولى، كان آرثر الصغير يجذب الأنظار بابتسامته التي تشبه أمه إلينورا، وبريق عينيه الزرقاوين اللتين كانتا تلمعان كلما حمله والده بين ذراعيه.
لم يكن إيان ملكًا فقط في تلك اللحظات، بل أبًا محبًا يراقب صغيره وهو يحاول تحريك يديه وقدميه، يضحك حين يصدر أصواتًا عشوائية وكأنه يحاول الحديث مع العالم.
في الشهر السادس، بدأ آرثر بمحاولاته الصغيرة للحبو على الأرض المفروشة بالسجاد الناعم، وكان إيان يجلس على الأرض بجانبه، يشجّعه بابتسامة عريضة وصوت دافئ:
"تعال إليّ يا صغيري... خطوة واحدة فقط."
فتضحك إلينورا وهي تراقب من بعيد، وقد وضعت يدها على قلبها، تغمرها سعادة الأمومة.
رغم مسؤوليات الحكم الثقيلة، لم ينسَ إيان أصدقاءه الذين رافقوه منذ بداياته.
كان يجتمع مع لويد و يلعبان مع آرثر و يجلسان في شرفة القصر ليتبادلا الأحاديث عن مستقبل تاريس، ويشارك لوسيان بعض الذكريات عن الملك الراحل، ثم يضحكون على مواقف مغامراته مع لويد قبل ان يصبح ملك.
لكن اللحظة الأجمل بالنسبة لإيان كانت حين ينهي اجتماعاته، ويخلع عباءة الملك الثقيلة ليجلس بجوار سرير آرثر الصغير، يروي له قصص المغامرات القديمة وكأنه يعدّه منذ الآن ليصبح فارسًا وقائدًا يومًا ما.
لقد كان إيان يدرك أن بناء المملكة لا يقتصر على الإصلاحات والقرارات، بل يبدأ من هذه اللحظات العائلية الصغيرة، حيث يولد الأمل من جديد في ابتسامة طفل.
مرّت أشهر على ولادة ولي العهد آرثر، وازدهرت مملكة تاريس تحت قيادة الملك الشاب إيان.
الإصلاحات الزراعية والتعليمية بدأت تؤتي ثمارها، والأسواق امتلأت بالناس، وارتفعت أصوات الفرح بعد سنوات من المعاناة.
لكن خلف هذا الازدهار، كانت هناك قوى مظلمة لا تزال تتحيّن الفرصة للانقضاض.
النبلاء الذين فقدوا نفوذهم بسبب إصلاحات إيان لم يتقبلوا الواقع الجديد بسهولة.
بعضهم تحالف سرًا مع بقايا الجماعة المظلمة، ساعين لزرع الفوضى وإضعاف الملك أمام شعبه.
في إحدى الليالي، بينما كان القصر يحتفل بمرور عام على تتويج إيان، تسلل ظل بين الحراس.
قاتل مأجور، عيونه باردة كالجليد، مهمته واحدة: إنهاء حياة الملك. كان يعرف جيدًا الطرق السرية التي لا يدخلها سوى كبار الخدم، مما يدل على خيانة داخلية.
جلس إيان في القاعة الكبرى، محاطًا بالنبلاء والوزراء. بجانبه كانت إلينورا تحمل آرثر الصغير بين ذراعيها.
فجأة شعر لويد باضطراب غريب في تدفق الطاقة السحرية، رفع يده وأطلق تعويذة بسيطة كشفت عن خيط مظلم ينساب بين الجدران.
صاح لويد:
"احذروا! هناك !"
لم تمر لحظات حتى اندفع القاتل نحو الملك بخنجر مغطى بسم قاتل، لمع بريقه تحت أضواء القاعة.
لكن إيان، الذي كان قد تعلّم ألا يتهاون، نهض بسرعة خاطفة، رافعًا يده اليمنى حيث رمز الفراشة البنفسجية. انبعث منه حاجز من الضوء صدّ الضربة، ودفع القاتل بعيدًا.
اندلعت الفوضى، الحرس يهرعون، إلينورا تضم طفلها بخوف، والخدم يصرخون و يبتعدون.
أما القاتل فقد حاول الهروب، لكن لوسيان اعترض طريقه بثبات، وعيناه تلمعان بالغضب "لن تفلت"! وبحركة سريعة أسقطه أرضًا.
وقف إيان أمام المجلس في اليوم التالي، صوته صارم لكنه مفعم بالحزن "لقد أقسمت أن أحمي هذه المملكة، ولن أسمح للظلام أن يتسلل إليها ، تاريس لن تُحكم بالخيانة، بل بالعدل والإخلاص."
ضرب بعصاه الملكية على الأرض، فارتجّت القاعة، وكانت تلك اللحظة إعلانًا لعهد جديد من الحزم ضد كل خائن.
بعد أيام قليلة من احتفالات عيد ميلاده العشرين، قرر إيان أن يقضي بعض الوقت بعيدًا عن مشاغل الحكم، وأن يمنح نفسه وأسرته فرصة للراحة.
كانت الشمس الذهبية تغمر حدائق القصر، حيث اجتمعت العائلة الصغيرة مع مارينا، والدة إلينورا، التي جاءت في زيارة خاصة لتشارك ابنتها وحفيدها بعض اللحظات.
مارينا، تلك السيدة ذات الشعر الفضي الممزوج بخيوط من البني، جلست على مقعد خشبي وهي تحمل آرثر بين ذراعيها.
كان الصغير يضحك بصوت عذب، يحاول لمس جدته التي تغمره بالقبلات والضحكات.
قالت مارينا وهي تنظر إلى إيان:
مارينا: "لم أتخيل أن أرى يومًا ابنتي ملكة، وحفيدًا يملأ الدنيا فرحًا. لقد غيرت حياتنا يا إيان."
ابتسم إيان بخجل وهو يضع يده على كتف إلينورا، التي كانت تحدق به بحب:
إيان: "بل هي التي غيرت حياتي."
جلسوا جميعًا حول طاولة صغيرة في الحديقة، محاطة بأزهار البنفسج والورود البيضاء.
لويد انضم إليهم لاحقًا، وهو يمزح مع آرثر بأن يعلمه بعض الحركات السحرية الصغيرة عندما يكبر، بينما لوسيان اكتفى بمراقبة المشهد بعينين مطمئنتين، يشعر أن مستقبل المملكة سيكون بخير ما دام هذا الحب يجمعهم.
إلينورا ضحكت وهي تميل نحو ابنها:
إلينورا: "آرثر، هل ترى؟ الجميع يتنافس ليكون معلمك."
فرد إيان وهو يرفع ابنه عاليًا في الهواء:
إيان: "لكن تذكر، والدك سيكون أول من يريك العالم."
ضحكاتهم ملأت المكان، والأجواء كانت أشبه بحلم بسيط بعيد عن كل هموم السياسة.
جلست مارينا تراقبهم، ودمعة صغيرة من السعادة تنزل على خدها، فقد كانت ترى أن ابنتها محاطة بالحب والأمان، وأن حفيدها ينشأ في بيت يفيض دفئًا وسلامًا.
استمرت الأيام الدافئة و دخل آرثر عامه الأول، وكأن القصر كله وُلد معه من جديد.
لم تكن الجدران المزخرفة ولا الأروقة الواسعة هي ما يميز القصر بعد الآن، بل ضحكات الصغير التي تملأ المكان وتكسر وقاره، وتجعل كل من فيه يشعر بالدفء.
كان آرثر يخطو خطواته الأولى في قاعة العرش، تحت أنظار والده إيان و إلينورا.
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه الملك الشاب وهو ينحني ويمد ذراعيه:
إيان: "تعال يا بطل… خطوة واحدة فقط."
تردد آرثر لحظة، ثم اندفع بخطوة غير متزنة، ليقع في أحضان والده، فيعلو التصفيق والضحك.
جلست إلينورا بجانبه على الأرض، وهي تمسح شعره البني الذهبي بحنان:
إلينورا: "لقد أصبح كبيرًا جدًا… كأن الأمس فقط كان رضيعًا بين ذراعي."
أجابها إيان بابتسامة حالمة:
إيان: "والغد سيكبر أكثر… سيصبح فارسًا، وربما ملكًا عظيمًا لكن الآن… دعينا نستمتع بطفولته."
مارينا، والدة إلينورا، لم تفارق القصر في تلك الفترة.
كانت تحيك لآرثر شالاً صغيراً بيديها، وتجلس تروي له قصصًا من القرى القديمة.
فيستمع بفضول بريء رغم أنه لم يفهم بعد، إلا أن عينيه الزرقاوين كانتا تتابعان حركاتها بدهشة.
حتى لويد لم يستطع أن يقاوم مشاركته لحظات آرثر، فقد صنع له كرة صغيرة تتوهج بضوء سحري.
كان آرثر يضحك كلما حاول الإمساك بها، فتتحرك من أمامه ثم تعود لتطفو في الهواء.
قال لويد مازحًا:
لويد: "أعتقد أنه سيكون ساحرًا مذهلاً مثلي."
رد إيان وهو يرفع حاجبه "أو فارسًا مثلي."
ضحكت إلينورا، ثم احتضنت طفلها قائلة:
"لا يهم ما سيكون… المهم أن يظل قلبه نقيًا كم هو الآن."
في المساء، حين ينام آرثر بهدوء في مهده، كان إيان يقترب ويجلس بجواره، يراقب أنفاسه الهادئة ويكتب في دفتر مذكراته:
"اليوم خطا آرثر أولى خطواته. أرى فيه الأمل الذي لطالما بحثت عنه أعدك يا طفلي بأن أمنحك عالمًا أفضل، عالمًا يليق بابتسامتك ."
وهكذا، كان عيد ميلاد آرثر الأول ليس مجرد احتفال بطفل، بل كان رمزًا لمستقبل مشرق لمملكة تاريس، مستقبل ينبض بالحب والبراءة والأمل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق