الجمعة، 26 سبتمبر 2025

الفصل الثالث : الكارثة الأولى معركة الوادي الملعون و عام من النور

 أول خيوط الفجر، كان جيش تاريس مصطفًا خلف أسوار الحدود الشمالية.

الجنود يرفعون الدروع، والفرسان يمسكون رماحهم، والسحرة الذين تخرجوا من أكاديمية إيان يصطفون خلفهم يجهزون تعاويذ الحماية والهجوم.

بينما على الطرف الآخر، كانت جموع الظلال تتحرك كالطوفان، و مع حوش بأجساد ملتوية وأعين حمراء، وسحرة يرتدون عباءات سوداء يرددون تعاويذ مظلمة تجعل الهواء نفسه يثقل على الصدور.

رفع إيان سيفه المضيء، وصاح بقوة:

" أبطال تاريس! اليوم سنثبت أن النور لا يُهزم. قلوبنا دروع، وإيماننا سيوف، تقدّموا!"

انطلقت الأبواق، وارتجت الأرض تحت وقع حوافر الخيل، واشتعلت ساحة المعركة.

المواجهة الأولى الفرسان يشتبكون مع وحوش ظلامية، رماحهم تلمع وتخترق الأجساد السوداء، لكن الوحوش تعود وتتجمع كأنها دخان يعيد تشكيل نفسه.

اما سحرة تاريس بقيادة أحد تلامذة لويد يصنعون جدارًا من النار، يقابله خصومهم بجدار من الظلام يمتص النيران ويحولها دخانًا خانقًا.

أحد الطلاب يخوف " انهم لا ينتهون "

إيان يقف في الخطوط الأمامية، سيفه يشع بضوء بنفسجي، كلما ضرب وحشًا انقشع الظلام من جسده وتحول إلى رماد مضيء.

كان صوته يعلو وسط الضوضاء:

 "لا تخافوا!"

لكن موركار لم يكن ليسمح للنور بالعلو سريعًا.

رفع يديه من على التل، وتعويذة ضخمة انطلقت من بين شفتيه.

تشققت الأرض، واندفع منها كائن هائل، أشبه بتنين من الظلال، جناحاه كالسحب السوداء، وزئيره أطفأ النيران وألقى الرعب في القلوب.

تراجع الجنود، حتى الفرسان ترددوا، وصوت الخوف تسلل بينهم.

لكن إيان تقدم، رفع سيفه عاليًا، والرمز البنفسجي على كفه تألق بشدة.

صرخ بقوة " لا تفزعوا ! النور معنا!"

اندفع وحده أولًا نحو التنين، فضرب بجناحه الهائل الأرض بعنف، لكن إيان قفز بخفة، وسيفه شق الهواء، لينغرس في جناحه .

 التنّين حلق بعيداً لكن لم يتراجع قذف نار سوداء أصابت بعض الجنود و نور روزالين يحيط بهم كدرع من نور.

حين رأى الجنود ملكهم يواجه وحشًا بحجم الجبال دون خوف، علت أصواتهم من جديد "من أجل تاريس!"

اندفع الفرسان خلفه، والسحرة أطلقوا تعاويذ النور مجددًا، وببطء بدأ جيش الظلام يتراجع، غير قادر على اختراق صفوف جيش تاريس المتماسك.

بعد ساعات من القتال المستمر، ومع غروب الشمس، أمر موركار جيشه بالانسحاب.

صوته سُمِع في الأفق "هذه ليست سوى البداية يا وريث روزالين... سنلتقي مجددًا، وعندها لن ينقذك سيف ولا نور."

بقي إيان واقفًا وسط ساحة مليئة بالرماد والجثث والجرحى، سيفه يتوهج، وعيونه تلمع بعزم لا ينكسر.

قال بصوت مسموع "لتعلم يا موركار... تاريس لن تنحني. وسأقاتلك حتى آخر نفس."

بعد أن خمد لهيب المعركة الأولى، امتلأت خيام الميدان بالجرحى والأنين.

كان إيان يسير بين صفوف الجنود، يساعد بيديه في تضميد الجروح، ويشجع المصابين بكلمات هادئة.

قال لأحد الجنود الذي كان يبكي ألمًا:

"لقد قاتلت من أجل تاريس، وأعدك أن جهدك لن يذهب سدى."

حتى الفرسان الكبار اندهشوا من أن الملك لا يكتفي بالأوامر من بعيد، بل يجلس بجانب الجندي الجريح، يمسح العرق عن جبينه، ويشجعه كما لو كان أخًا له.

كان السحرة الذين تعلموا على يد لويد يساهمون في شفاء الجرحى، مستخدمين تعاويذ النور والأعشاب الطبية التي جلبها القرويون.

وفي تلك اللحظات شعر الشعب أن إيان لم يكن مجرد ملك، بل كان قلب تاريس النابض.

في تلك الليلة، وبينما كان إيان يخلد للراحة بعد يوم طويل، غفت عيناه فرأى حلمًا آخر.

ظهرت روزالين، بجمالها السماوي، شعرها الأبيض يتماوج، وجناحاها يتلألآن بضوء بنفسجي، وعيناها تشعان حنانًا وصرامة في آن واحد قالت له بصوت يشبه همس الرياح: "إيان... المعركة لم تنتهِ بعد. موركار يحاول إحياء قوة قديمة في الوادي الملعون إن استيقظ هذا الشر، ستنهار تاريس وكل و العالم عليك أن توقف الطقوس قبل اكتمالها."

أضاء الرمز البنفسجي على كفه، فأحس بطاقة دافئة تتدفق في عروقه، كأنها تمنحه عزيمة جديدة.

استيقظ فجأة، قبضته مشدودة على السيف الموضوع بجواره.

قال بصوت منخفض "موركار... لن أسمح لك."

مع أول خيوط الفجر قاد إيان فرقة صغيرة من فرسان روزالين إلى الوادي الذي وصفته روزالين.

لكن ما إن دخلوا حتى شعروا بالهواء يثقل على صدورهم، ورائحة كبريت ودخان سوداء تخنق الأنفاس.

الأرض كانت متشققة، والسماء فوق الوادي مغطاة بغيوم سوداء كثيفة.

توقف الجنود عند الحافة، وقد غلب عليهم الخوف، لكن إيان تقدم بخطوات ثابتة و في أعماق الوادي، كان المشهد كابوسًا.

موركار واقف وسط دائرة سحرية ضخمة محفورة في الأرض، رموز مظلمة متوهجة باللون الأحمر القاني، وأعمدة من الظلام ترتفع كالأفاعي من حوله.

كانت الطاقة تتدفق نحوه من أعماق الأرض، وأصوات غريبة، أشبه بالصرخات، تصدر من الهوة تحت قدميه.

رفع موركار رأسه بابتسامة باردة حين شعر بوجود إيان.

"ها قد جئت يا وريث روزالين... كما توقعت."

شد إيان قبضته على سيفه، وعيناه تضويان بعزم لا ينكسر.

"لن أدعك توقظ هذا الشر، ولو كان آخر ما أفعله."

أحاطه نور بنفسجي من الرمز على كفه، ليضيء الوادي الكئيب ويواجه دائرة الظلام.

وهكذا تبدأ مواجهة جديدة، حيث يقف النور والظلام وجهًا لوجه، في قلب الوادي الملعون.

في قلب الوادي وقف موركار وسط دائرته المظلمة، يداه مرفوعتان والهواء يتشقق حوله ببرق أسود.

ضحك بصوتٍ أجوف:

 "أخيرًا يا وريث روزالين، نورك لن يقف أمام قوة الظلام الأبدي."

أجاب إيان بثبات، والرمز البنفسجي يتوهج على كفه:

 "النور ليس ملكي، بل لكل من يؤمن بالسلام. وسأحطم سحرك كما حطمت قلوب الأبرياء."

رفع سيفه الذي أضاء كالشمس البنفسجية، واندفع بخطوة خاطفة نحو موركار.

إيان قفز عاليًا، سيفه يلمع بخط من النور البنفسجي، يهوى به نحو موركار.

موركار يصنع حاجزًا من الظلام الكثيف، ينفجر كالزجاج الأسود حين يضربه السيف، الشرر يتطاير كأن الليل نفسه ينكسر.

أطلق موركار تعويذة هائلة، فظهرت أيادٍ مظلمة من الأرض تحاول سحب إيان نحو الهاوية السوداء.

لكن إيان غرس سيفه بالأرض، فانفجر منه نور كاسح شتت الظلام وحرر نفسه.

موركار يستخدم سياطًا من الظلام تنقض كالأفاعي، بينما إيان يرد بخطوط من الضوء تشق الهواء كوميض البرق.

نار سوداء من يد موركار تواجه عاصفة ضوء بنفسجية من كف إيان.

 يتقابلان في وسط الوادي لينفجر المكان بضوء أسود وأبيض، كأن السماء نفسها انقسمت.

الأرض تتصدع، الصخور تتطاير، والهواء يمتلئ بصرخات القتال.

مع كل ضربة، كان موركار يزداد غضبًا، صوته يتردد كالرعد "لن تفوز! الظلام خالد!"

لكن إيان، والعرق يتصبب من جبينه، رفع سيفه بكل قوته وصاح "الظلام خالد فقط إن استسلم الناس له! أما أنا، فأحمل نور روزالين، ونور شعبي!"

انفجر الرمز البنفسجي على كفه، وأضاء جسده كله.

قفز عاليًا، سيفه يشتعل بضوء لامع، وهبط بضربة هائلة شقت دائرة الظلام إلى نصفين.

صرخ موركار حين اخترق السيف جسده المظلم، وتفككت الدائرة من حوله.

أعمدة الظلام انهارت، الهاوية السوداء اغلقت والدخان الأسود تلاشى مع صرخات مرعبة.

تراجع موركار، نصف جسده متفككًا كرماد، لكن عينيه كانتا لا تزالان متقدتين بالكراهية.

قال بصوت متقطع "لم ينتهِ الأمر... حتى لو سقطتُ اليوم... سيعود الظلام."

ثم تفتت جسده إلى غبار أسود تلاشى مع الرياح، تاركًا الوادي ينهار من حولهم.

وقف إيان وسط الدمار، سيفه يغرس في الأرض، وصدره يعلو ويهبط من شدة التعب لكن عينيه كانتا مملوءتين بعزم لا ينكسر.

رفع رأسه نحو السماء وقال بصوت قوي "طالما أنا هنا، وطالما روزالين تنير دربنا، لن يُبعث الظلام من جديد!"

عندها، انشقّت الغيوم السوداء عن شعاع ضوءٍ سماوي، غمر الوادي وأعاد له الحياة.

شعر إيان بدفء الرمز البنفسجي على كفه، كأن روزالين تباركه و سمع همساً حنوناً "لقد اخترت الطريق الصحيح يا ملك تاريس."

وهكذا انتهت أول مواجهة مباشرة بين إيان و موركار، بانتصار النور... لكن كلمات موركار بقيت عالقة، كتهديد يلوح في الأفق.

بعد أيام من المسير عبر الجبال والسهول، عاد إيان مع فرسان روزالين وجيشه إلى العاصمة.

كانت وجوه الجنود متعبة، جروحهم لم تلتئم بعد، لكن عيونهم كانت مشعة بالفخر، فقد عادوا ومعهم نصر عظيم على الظلام.

حين اقترب الجيش من أبواب العاصمة، دقت الأجراس في كل المعابد، وارتفعت صيحات الشعب:

"الملك عاد!"

"إيان بطل تاريس!"

النساء و الرجال يهللون ، والأطفال ركضوا بجانب الفرسان، يلوحون بالأزهار ويهتفون باسمه.

لكن في قلب هذا الفرح، كان هناك حزن عميق يثقل الأرواح، فقد خسروا إخوة وأصدقاء في معركة الوادي.

دخل الجيش الساحة الكبرى للقصر، حيث كان الناس قد تجمعوا بالآلاف.

وقف إيان على صهوة جواده، سيفه لا يزال مضيئًا، لكن ملامحه جادة.

رفع يده للجموع وقال بصوت مهيب: "هذا النصر ليس نصري وحدي، بل هو نصركم جميعًا و كل قطرة دم سالت في الوادي الملعون أنارت الطريق لنا جميعًا ، اليوم، لا نحتفل بالملك، بل نكرّم الأبطال الذين لن يعودوا معنا لكنهم دائماً في قلوبنا."

عمّ الصمت الساحة، ثم انحنى الشعب كله إجلالًا لذكرى المحاربين.

في اليوم التالي، أقيمت جنازة عظيمة لمقاتلي تاريس الذين فقدوا حياتهم.

حُملت النعوش الخشبية المغطاة برايات المملكة إلى الساحة المقدسة، حيث اجتمع الشعب والنبلاء والكهنة.

الزهور البنفسجية وُضعت على النعوش، رمزًا لروح روزالين التي تحميهم من السماء.

ألقى لويد كلمة بصوته الحكيم:

"لقد عبر إخوتنا الجسر نحو النور، تاركين لنا أمانة السلام التي دفعوا ثمنها ، فلنصنها كما صانوا حياتنا."

ثم وقف إيان أمام النعوش، ووضع سيفه على الأرض وانحنى أمامهم، في صمت طويل.

دموع سالت من عيون الجنود، حتى أكثرهم صلابة.

بعد الجنازة، وقف إيان أمام الشعب مجددًا، وعيناه تلمعان بعزم

"أقسم أمامكم، وأمام أرواح من رحلوا، أن لا تذهب تضحياتهم هباءً. تاريس ستنهض، وستكون مملكة شامخة قوية، ليس فيها ظلم، ولا ظلام ، بدمائهم، زرعوا بذور الغد، وبقلوبنا، سنسقيها."

ارتفعت الهتافات من جديد، لكن هذه المرة لم تكن فرحًا فقط، بل وعدًا جماعيًا بالوفاء لتضحيات المحاربين.

مر عام كامل منذ تتويج إيان ملكًا على تاريس.

كانت العاصمة قد تغيرت كليًا ، الساحات التي امتلأت بالحزن يوم الجنازة، امتلأت الآن بالأسواق المزدهرة.

الأكاديمية السحرية فتحت أبوابها لعشرات التلاميذ من القرى والجبال، يتعلمون فنون النور والشفاء.

المزارع التي أهلكتها الحروب عادت خضراء بفضل مشاريع الري التي أشرف عليها الملك بنفسه.

الحرفيون أعادوا بناء البيوت والجسور، حتى بدا أن تاريس تستعيد جمالها شيئًا فشيئًا.

كان الناس يتحدثون بفخر:

 "لم نرَ ملكًا يعيش بيننا مثل إيان."

"إنه يقف في الطوابير مثلنا، ويأكل من خبزنا، ويزرع الأمل حيث يذهب."

في اليوم التالي كان يومٌ مميز، عيد ميلاد إيان الثامن عشر.

أراد الشعب أن يحتفل به، لكن إيان رفض أن يكون الاحتفال مبهرجًا، وقال لمستشاره لوسيان:

"لا أريد حفلا خاص للملك، بل عيدًا للمملكة ليكن يومًا يفرح فيه الجميع، في القرى والحقول، لا في القصر وحده."

و هكذا أقيمت مهرجانات بسيطة في كل أرجاء المملكة:

الأطفال يركضون حاملين الطائرات الورقية البنفسجية.

العازفون يملؤون الساحات بالموسيقى و المعابد خصصت صلواتها لروزالين، شاكرين لحماية نور تاريس.

أما في القصر، فقد اجتمع المقربون: لويد الحكيم، لوسيان المخلص، وفرسان روزالين، يحتفلون به في جو عائلي بسيط.

رفع لويد كأسه وقال مبتسمًا "إلى شاب لم يعد مجرد مغامر متجول، بل ملكًا أنار مملكة كاملة."

ضحك إيان بخجل، و قال "بل إلى أصدقاء جعلوا المستحيل ممكنًا."

في ليل ذلك اليوم، جلس إيان في غرفته، وأشعل شمعة صغيرة، وفتح دفترًا جلديًا جديدًا.

كتب بخطٍ متردد أول سطور يومياته:

"اليوم بلغت الثامنة عشرة ، عام مضى منذ جلست على العرش. 

ما زلت أشعر أحيانًا أنني ذلك الشاب المتجول في القرى، أبحث عن مكان أنتمي إليه.

 لم أختر أن أكون ملكًا، لكن روزالين اختارتني، والشعب وضع ثقته في و تعلمت أن القوة ليست في السيف، بل في القدرة على منح الآخرين الأمل."

توقف قليلًا، ثم أضاف:

"أقسم أن أكتب في هذه الصفحات كل ما أتعلمه، علّ من يأتي بعدي يعرف أن الملك لم يكن يومًا معصومًا، بل إنسانًا يسقط ويقوم من جديد."

ابتسم وهو يغلق الدفتر، شاعِرًا أن هذا اليوم لم يكن فقط عيد ميلاده، بل ميلاد عهدٍ جديد لتاريس.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الفصل الثالث عشر ظل في الأكاديمية

استيقظت رينا قبل شروق الشمس بقليل لم يكن هناك صوت في القصر. حتى الطيور لم تستيقظ بعد، لكن قلبها كان ينبض بسرعة غريبة. فتحت عينيها وحدقت في ...