الجمعة، 3 أكتوبر 2025

الفصل الرابع : حب تحت ظل شجرة الحياة

 اعتاد إيان أن يبدأ نهاره بجولة بين الناس ، كان يسير في الأسواق بلا حرس.

 يتفقد الخبازين، يتحدث مع المزارعين، ويقف ليستمع إلى شكاوى النساء العجائز اللواتي يطلبن تحسين طرق الري أو إصلاح الطريق نحو القرية.

الأطفال كانوا يركضون حوله وهم يضحكون:

"الملك! الملك!"

لكنه يركع ليلامس رؤوسهم ويقول مبتسمًا:

" أنا لست ملكًا اليوم، بل صديقكم ." بدا يلعب معهم بسيوف خشبية ، في تلك اللحظات، كان يشعر أن عرشه ليس في القصر، بل في قلوب شعبه بين الناس.

كان إيان يحب كتابة مذكراته كل ليلة يكتب يومياته.

في أحد الأيام، كتب في مذكراته:

"سمعت أن في أعماق غابة إلدريا، شجرة الحياة الكبرى لا تزال تنبض بالطاقة القديمة التي باركتها روزالين.

أردت أن أراها بعيني، لا كملك، بل كإيان الذي بدأ رحلته باحثًا عن معنى وجوده."

سار مع فرسان روزالين حتى حافة الغابة، ثم طلب أن يدخل وحده.

كلما توغل، كان الهواء يزداد نقاءً، والطيور تغني بألحان لم يسمعها من قبل.

وحين وصل، رأى شجرة عملاقة، جذعها كالجبل، أوراقها تشع بضوء بنفسجي ناعم، وجذورها تمتد كأنها عروق الأرض.

وقف صامتًا، ثم وضع يده على الجذع، وقال بصوت متهدج:

"روزالين... هل تسمعينني؟ لقد حاولت أن أكون أهلًا للأمانة التي وضعتها في يدي، شكرا لك لكونك الى جانبي"

بينما كان غارقًا في صمته، شعر بنسيمٍ عليل، ومعه صوت خطوات خفيفة.

استدار، فرأى فتاة تقف غير بعيد، تحمل بين يديها سلة صغيرة من الأعشاب البرية.

شعرها البني الذهبي كان يتدلى على كتفيها ويتراقص مع النسيم، وعيناها الزرقاوان تلمعان كالبحر في يوم مشمس.

ابتسامتها الرقيقة بدت كضوء القمر على بركة هادئة.

تجمد إيان لحظة، لم يستطع أن يبعد نظره عنها، وكأن الغابة نفسها توقفت لتمنح المشهد قدسية خاصة.

قالت الفتاة بصوت ناعم: "لم أكن أتوقع أن أجد ملك تاريس هنا وحده."

أجاب، وهو يحاول أن يخفي ارتباكه بابتسامة بسيطة:

"وأنا لم أكن أتوقع أن أجد في الغابة فتاة تشبه الفراشات"

ضحكت بخفة، واقتربت بخطوات هادئة، لتبدأ لحظة ستغير شيئًا في قلب إيان.

كان الصمت يلف المكان إلا من حفيف أوراق شجرة الحياة.

وقف إيان ينظر إلى الفتاة التي بدت وكأنها خرجت من نسيج هذه الغابة نفسها.

ابتسمت له بخجل، ثم قالت "اسمي إلينورا... أعيش في أطراف غابة إلدريا كنت أجمع الأعشاب لأمي المريضة وأصنع منها أدوية بسيطة."

أومأ إيان برأسه، محاولًا أن يخفي الدهشة التي تملكت قلبه.

"إلينورا... اسم جميل يليق بالنسيم."

ضحكت ضحكة قصيرة كخرير ماء صافٍ، وقالت "وأنت... هل أُناديك يا مولاي؟"

هز رأسه بابتسامة هادئة "لا، ليس هنا في هذه الغابة أنا مجرد إيان، رجل يبحث عن بعض السكينة بعيدًا عن ثقل العرش."

نظرت إليه بعينيها الزرقاوين المتلألئتين، وقالت ببراءة "لم أتصور أن الملك الذي يتحدث عنه الناس كالمحارب الشجاع، يجلس هادئًا تحت شجرة وكأنه طفل يهمس لها بأسراره."

ساد الصمت لحظة، لكن إيان لم يستطع إلا أن يبتسم. تلك الكلمات اخترقت قلبه بلطف، كأنها أيقظت فيه إنسانًا ظل حبيسًا وراء لقب الملك.

اقترب قليلًا، وسألها بصوت خافت "ألا تخافين من أن تجدي نفسك أمام رجل غريب؟"

أجابت وهي ترفع رأسها بشجاعة بريئة:

"و هل سوف تفعل شيء سيئا بي ، يا لك من رجل ."

احمر وجه إيان و قال بتوتر " لا... هذا غير صحيح.. لن اقوم بشيء سيء."

ضحكت بصوت لطيف تغطي فمها بيدها " انت مسلٍ ، كنت امازحك عندما نظرت في عينيك... لم أر سوى الصدق. كيف أخاف من ذلك؟"

توقف الزمن عند تلك اللحظة.

ابتسامتها كانت نقية و مشرقة كالنور الأول عند بزوغ الفجر.

شعر إيان بأن قلبه، الذي حمل هموم المملكة وحروبها، قد وجد فجأة شيئًا لم يعرفه من قبل... الدفء.

و بعد وقت قصير ودّع إيان إلينورا عند أطراف الغابة، حيث كانت تمسك سلة صغيرة مليئة بالأعشاب الطبية.

قال لها بابتسامة لطيفة "آمل أن أراكِ مجددًا... يا ابنة الغابة."

أجابت بخجل، وهي تطرق رأسها قليلًا "الغابة ستبقى دائمًا هنا.. اراك لاحقاً يا مولاي."

رحل بعدها بخطوات هادئة، لكن قلبه لم يرحل. كلما ابتعد أكثر، ظل صدى ضحكتها يتردد في أعماقه، كأن الغابة لم تتركه يغادر.

عند عودته إلى أسوار العاصمة، كان الجنود يحيونه باحترام، والناس ينحنون له في الشوارع.

لكن رغم تلك الهتافات والأنظار الموجهة نحوه، كان ذهنه بعيدًا... عالقًا عند عينيها الزرقاوين.

دخل قصر تاريس الكبير، فاستقبله لويد بابتسامة متعبة بعد يوم طويل من إدارة شؤون الأكاديمية.

قال "مولاي، هل كانت رحلتك إلى غابة إلدريا مثمرة؟"

أجاب إيان بصوت متردد "أكثر مما توقعت، يا لويد..."

لم يشأ أن يضيف شيئًا آخر، لكنه في تلك الليلة، جلس في مكتبه المضيء بالشموع، وفتح دفتر مذكراته الذي صار ملجأ له و كتب بقلمه بخط واضح:

"اليوم، التقيت بفتاة... مختلفة لم تكن أميرة، ولا ساحرة عظيمة، ولا من النبلاء... بل مجرد ابنة غابة تحمل البراءة كأجمل تاج.

في عينيها بحر، وفي ابتسامتها طمأنينة لم يمنحني إياها أي نصر أو عرش ، لا أعلم لماذا، لكن قلبي يطلب أن أعود."

أغلق الدفتر ببطء، وأسند رأسه إلى ظهر كرسيه. لأول مرة منذ توليه الحكم، لم يفكر في الإصلاحات أو المعارك القادمة، بل في إنسانة جعلته يشعر كأنه شاب عادي، لا ملكًا.

لكن في أعماقه، تساءل:

"هل يمكن لملك أن يسمح لقلبه أن ينشغل وسط كل هذه المسؤوليات؟"

في صباح اليوم التالي و في قاعة المجلس الكبرى اجتمع النبلاء حول الطاولة الطويلة، وجلس إيان في صدر المجلس، وبجانبه لوسيان يراقب بحدة، فيما جلس لويد هادئًا متأملاً.

تحدث أحد النبلاء، رجل ممتلئ بوجه متجهم يدعى اللورد جارفيل "مولاي، الإصلاحات الزراعية تكلفنا الكثير من خزائن النبلاء نحن من يدفع، بينما يستفيد الفلاحون والطبقات الدنيا. أليس من الحكمة إعادة النظر؟"

رد إيان بصوت هادئ لكنه حازم:

"أرض تاريس تخص الجميع، وإن لم يشبع الفلاح ، فلن يشبع النبلاء ،الإصلاحات باقية."

تذمر النبيل الآخر، سير أدماير "مولاي صغير السن، قد لا يُدرك أن بعض القرارات المتهورة قد تضعف المملكة من الداخل."

رفع لوسيان حاجبه ونظر إليه نظرة صارمة جعلت القاعة تصمت.

 أما إيان فابتسم بتواضع وقال "صغر سني لا يمنعني من الإصغاء، لكنني لن أسمح أن يجوع الشعب باسم مصالح النبلاء إذا أردتم مملكة قوية فلتكن قوتها من وحدتها."

غادر النبلاء القاعة متبرمين، وهمس بعضهم للآخر:

 "هذا الملك الصغير يحلم كثيرًا... سيجعل تاريس ضعيفة بعاطفته."

لكن إيان، رغم قوته في المجلس، كان قلبه في مكان آخر.

في تلك الليلة، بعد أن هدأ القصر، تسلل هو بنفسه إلى إسطبل الخيل، وامتطى جواده الأسود لم يخبر أحدًا بوجهته.

قاد حصانه نحو غابة إلدريا، حيث النسيم يعبق برائحة الحياة.

وعندما وصل إلى أطرافها، لمحها من بعيد.

كانت إلينورا تجلس على صخرة قرب جدول ماء، تغمس يديها الرقيقتين في الماء وتضحك برقة حين تلمسها الأسماك الصغيرة.

توقف إيان يراقبها للحظة، وكأن هموم المملكة كلها تلاشت في تلك الابتسامة.

اقترب بخطوات هادئة، فنظرت إليه بدهشة، ثم ابتسمت كأنها كانت تنتظره " مولاي !لم أتوقع أن أراك مجددًا."

ترجل عن حصانه، وجلس على مقربة منها، قائلاً:

" اليوم كان ملئ بالأشغال و المدينة مليئة بالضجيج و القصر مملوء بالوجوه المتربصة... أما هنا، أشعر أنني إنسان، لا ملكًا."

نظرت إليه مطولاً، ثم قالت ببراءة لم تفقدها رغم غرابة الموقف: "إذن... دع الغابة تحفظ هذا السر. سأكون إلينورا... وستكون أنت فقط إيان."

شعر الملك الشاب أن تلك الكلمات كانت عهدًا جديدًا، أصدق من أي قسم في قاعة العرش.

جلس إيان قرب الجدول، يستمع إلى حديث إلينورا وكأن صوتها موسيقى عذبة تنساب بين الأشجار.

قالت وهي ترفع يدها المبللة بالماء إلى ضوء القمر:

 "كنت أجمع الأعشاب منذ طفولتي مع أمي... علّمتني كيف أفرّق بين الأعشاب الطبية و الضارة. كنا نبيعها في القرى القريبة، أحيانًا يكفي المال، وأحيانًا نكتفي بالابتسامات والشكر."

أطرق إيان رأسه، وقد أسرته بساطتها.

"لا أعلم كيف... لكن كلماتك تجعلني أشعر أنني أفتقد شيئًا."

ضحكت بخفة، ثم نظرت في عينيه مباشرة.

اقتربت أكثر، ورفعت يدها برفق لتلمس وجهه، كأنها تخشى أن يختفي فجأة إن لم تلمسه.

قالت بصوت دافئ مليء بالصدق "في عينيك يا إيان... أرى الكثير من الهموم، كأنك تحمل العالم كله على كتفيك. لكن... ألا تستحق السعادة أيضًا؟"

تجمد الوقت في تلك اللحظة. قلب الملك، الذي اعتاد على صوت السيوف وصخب السياسة، خفق خفقًا مختلفًا لم يعرفه من قبل.

ابتسم لها بخجل، وهو يهمس "ربما أنتِ... السعادة التي أحتاجها."

احمرّ وجهها، لكنها لم تُبعد يدها للحظة قصيرة، شعرا أن الغابة احتضنتهما بعيدًا عن العالم.

بعدها، نهض إيان، ومد يده إليها بلطف "دعيني أوصلك إلى بيتك الليل أصبح باردًا."

وافقت بخجل، فساعدها على امتطاء جواده الأسود.

جلست خلفه، تمسك بردائه برفق بينما ينطلق الحصان بين الأشجار.

كان يشعر بحرارة يديها على ظهره، وكأنها طمأنة صامتة لم يحتج معها إلى كلمات.

وصل إلى كوخ خشبي صغير تحيطه أشجار الزيزفون. أشار إليها مبتسمًا: "بيت دافئ... مثلك."

ترجلت عن الحصان، ثم التفتت إليه وعينيها تتلألآن "شكرًا يا إيان... لستُ أدري لماذا، لكن وجودك يجعل العالم يبدو أجمل" تركها عند الباب، وقلبه يخفق بشدة.

وهو عائد على جواده نحو قصره و على مكتبه كتب في مذاكرته جملة واحدة "ابتسامتها أخطر من ألف معركة... لأنها تغلبني بلا سيف."

لم يستطع إيان أن يطرد صورة إلينورا من ذهنه.

كلما جلس على عرش تاريس ليستمع لمطالب النبلاء أو يوقع مراسيم الإصلاح، كان يتذكر ضحكتها الصافية، ولمسة يدها على وجهه.

كأن قلبه انقسم نصفين: نصف للملك، ونصف للفتاة التي أعادت له إنسانيته.

وفي صباح مشرق، وجد نفسه يمتطي جواده الأسود مجددًا، متجهًا نحو كوخها في الغابة.

حين وصل، استقبلته إلينورا بوجه مشرق وابتسامة كعادتها، لكن هذه المرة خرجت والدتها أيضًا، امرأة مريضة الملامح لكنها لطيفة العينين.

قالت الأم بصوت هادئ وهي تسند نفسها بعصا خشبية "مولاي... لم أظن يومًا أن ملك تاريس سيزور كوخنا المتواضع"

أسرع إيان يجيب بابتسامة خجولة:

"لا تناديني مولاي، من فضلكِ. أنا هنا فقط كـ إيان... بالرغم من بساطة المنزل الا انه دافئ"

ضحكت الأم بخفة، ونظرت إلى ابنتها نظرة فيها الكثير من المعاني، بينما جلست إلينورا تُعد شاي الأعشاب.

جلس إيان يتحدث معهما عن حياتهما، يستمع إلى تفاصيل صغيرة لا يعرفها أحد في القصر.

كيف تقضيان النهار في جمع الأعشاب، كيف تتبدل ألوان الغابة مع المواسم، وحتى الحكايات التي كانت الأم ترويها عن "أرواح الغابة" في الليالي الطويلة.

كان يشعر أنه يعيش عالمًا آخر، بسيطًا وصادقًا، يفتقده وسط زينة القصور وضجيج السياسة.

لكن الأمر لم يَخفَ على أحد...في القصر، لاحظ لويد غياباته المتكررة.

وفي إحدى الأمسيات، حين عاد إيان متأخرًا، استقبله لويد بابتسامة مشاكسة وقال "مولاي... أم هل يجب أن أناديك إيان العاشق؟"

تجمد إيان في مكانه، ثم ضحك بخجل نادر "لويد...افزعتني الست تراقبني كثيرًا؟."

ضحك و اقترب لويد وربّت على كتفه "أراقبك لأنني صديقك قبل أن أكون مستشارك. أرى في عينيك نورًا جديدًا... دعني أخمّن، هل وجد ملك تاريس حبه في الغابة؟"

تنهد إيان، ثم جلس على الكرسي وأجاب بصوت خافت:

"اسمها إلينورا... فتاة بسيطة، لكنها تملك ابتسامة جعلتني أشعر أنني إنسان قبل أن أكون ملكًا."

ضحك لويد وقال وهو يرفع حاجبيه "إذن... ليست المعارك وحدها من تسقط الملوك أحيانًا ابتسامة من فتاة قادرة على إسقاط اقوى الملوك ."

ضحكا معا ، لكن في أعماق قلب إيان، كان يعلم أن مشاعره تجاه إلينورا تتجاوز مجرد إعجاب... كانت بداية قصة ستغير حياته.

بعد أيام من اللقاء قاد إيان إلينورا في نزهة نحو بحيرة هادئة في قلب الغابة، حيث انعكس ضوء القمر على سطح الماء كفضة سائلة، تحيطه أزهار برية تنحني للنسيم.

جلسا على صخرة قريبة، يستمعان إلى أصوات الضفادع البعيدة، وإلى أجنحة اليراعات التي تلمع حولهما.

قالت إلينورا بابتسامة حالمة، وهي ترسم بيدها دوائر صغيرة على سطح الماء "هل تعرف إيان ، أحب قصص الأميرات كثيرًا... لطالما تخيلت نفسي واحدة منهن، فتاة من الريف تلتقي أميرًا و يقعان بالحب و يأخذها الأمير بعيدًا."

ضحك إيان على برأتها " أنت ظريفة "

نفخت إلينورا خديها " أنت لئيم ...لا تسخر مني أنا حقا احب الأميرات "

نظر إليها إيان مطولًا، وفي قلبه رغبة أن يحقق لها ما حلمت به.

نهض واقترب منها، ثم مد يده إليها وهو يقول بابتسامة دافئة:

"إذن... هل تسمحين لي أن أكون أميرك هذه الليلة ، سمو الأميرة؟"

ضحكت بخجل، ووضعت يدها بين يديه، فشد عليها بلطف.

وقفا وسط ضوء القمر، واليراعات تحيط بهما كأنها نجوم هبطت من السماء.

 ثم قادها إيان بخطوات هادئة إلى رقصة بسيطة، لكنها بدت لإلينورا أجمل من أي رقصة ملكية.

قال لها وهو ينظر في عينيها الزرقاوين "إلينورا... منذ التقيتك، تغير شيء داخلي. جعلتني أرى العالم بلون مختلف، وجعلتني أشعر أنني رجل قبل أن أكون ملكًا."

توقف عن الرقص، وظل ممسكًا بيديها، ثم أكمل بصوت مرتجف صادق "أحبك."

شهقت إلينورا بخفة، واتسعت عيناها بذهول ممزوج بالفرح.

ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة لم يَرَ مثلها من قبل، ثم همست بصوتٍ متهدج "إيان... لم أتخيل يومًا أن ملكًا سيقول هذه الكلمة لي."

انحنت برأسها على صدره، تسمع خفقات قلبه التي تسارعت مع كلماتها.

ضمها إيان بذراعيه، كأنما يخشى أن يضيع منها، وفي تلك اللحظة شعر أن كل الحروب، كل المؤامرات، كل صراعات العرش لا تساوي شيئًا أمام هذا الدفء.

تحت ضوء القمر، لم يكن هناك ملك ولا فتاة غابة... كان هناك فقط قلبان التقيا، وبدآ يكتبان قصتهما الخاصة.

في مساء هادئ، عاد إيان إلى الغابة، يحمل بين يديه صندوقًا أنيقًا من المخمل الأزرق.

كانت عيناه تلمعان بحماس لم يعتده، قلبه يخفق كفتيًا مقبل على مفاجأة.

حين وصل إلى كوخها، استقبلته إلينورا بابتسامة عذبة، لكنها لاحظت أنه يخفي شيئًا خلف ظهره.

قالت وهي ترفع حاجبها بفضول طفولي "ما الذي تخبئه عني يا إيان؟"

اقترب منها، ثم فتح الصندوق أمامها ببطء.

داخل الصندوق كان فستان أزرق سماوي، تتلألأ حواشيه بخيوط فضية رقيقة، ومعه طقم بسيط من إكسسوارات لامعة تشبه التيجان الصغيرة.

وضعت يدها على فمها بدهشة، وعيناها امتلأتا بدموع الفرح.

"إيان...! إنه... إنه فستان أميرات! أمي انه فستان اميرات"

ضحكت الام و شكرته اما هو ابتسم وهو ينظر إليها بحنان عميق "قلتِ لي أنكِ تحبين قصص الأميرات... لذا... أردت أن أحقق لك هذا الحلم. أريد أن تري نفسك كما أراكِ في قلبي... أميرة."

ترددت للحظة، ثم أخذت الفستان بخجل ودخلت لتغيّر ملابسها.

حين خرجت، تجمد إيان مكانه.

كانت إلينورا ترتدي الفستان الذي بدا وكأنه صُنع خصيصاً لها.

أزرق يليق بعينيها اللامعتين، وخيوط فضية تلمع تحت ضوء القمر.

 شعرها البني الذهبي انسدل برقة على كتفيها، فبدا المشهد كما لو أن الأساطير تجسدت أمامه.

اقترب منها بخطوات بطيئة، وعيناه لا تفارقانها.

همس وهو يكاد ينسى نفسه "إلينورا... إن الجمال ذاته يغار منك الآن."

الأم تبتسم بحنان " أصبحتِ أكثر جمالاً"

احمرّ وجهها بشدة، وأطرقت رأسها بخجل، ثم قالت وهي تبتسم ابتسامة تذيب القلوب " أمي هذا محرج ، لم أتصور يومًا أنني سأشعر حقًا كأميرة... لكنك جعلت هذا الحلم حقيقة ، شكرا لك إيان."

مد يده إليها، فانزلقت أصابعها داخل كفه.

قال بلطف " بالنسبة لي، أنتِ أميرة منذ اللحظة الأولى التي التقيتك فيها، هل لي برقصة سمو الاميرة."

وتحت ضوء القمر، رقصا مرة أخرى، هذه المرة وهي ترتدي فستانها الأزرق، وكأن الغابة كلها توقفت لتشهد على ولادة قصة حب ملكية... مختلفة، نقية، وأبدية.

في صباح ربيعي مشرق، حمل إيان معه صندوقًا صغيرًا، وفي داخله شريطة شعر حريرية زرقاء، بسيطة لكنها أنيقة، تشبه لون السماء في أنقى صفائها.

امتطى جواده الأسود متجهًا نحو كوخ الغابة، وقلبه يخفق كأنه ذاهب إلى ساحة معركة، لكن هذه المرة معركة القلب.

حين طرق الباب، فتحت له والدة إلينورا بابتسامة هادئة، رغم ملامحها المتعبة.

انحنى لها بتحية احترام وقال بلطف:

"صباح الخير سيدتي... جئت أزوركما."

رد الأم بابتسامة " صباح الخير يا مولاي ، تفضل "

دخل الكوخ المتواضع، ورأى إلينورا تجلس قرب النافذة، الضوء ينساب على وجهها البريء.

ابتسم واقترب منها، ثم أخرج الشريطة من الصندوق وقدّمها إليها:

"صباح الخير إلينورا"

نهضت بسرعه و البسمة لا تفترق محياها " صباح الخير، إيان، ماذا تحمل معك"

ابتسم بخجل " هذه لكِ أردت أن أرى شعرك يتزين بهذه كما تتزين السماء بالنجوم."

احمرّ وجهها بخجل، وأخذت الشريطة برقة، ثم ربطت شعرها بها.

نظر إليها إيان و كأنه مسحور، الشريطة زادتها جمالًا فوق جمالها " جميلة "

ثم جلس بعدها مقابل والدتها، وأخذ نفسًا عميقًا.

قال بصوت جاد مفعم بالعاطفة "سيدتي... لقد وجدت في إلينورا النقاء الذي لم أجده في أي قصر لذلك... جئت اليوم لأطلب يدها منكِ."

ساد الصمت للحظة، والدهشة ارتسمت على وجه الأم.

نظرت إلى ابنتها التي تجمدت في مكانها، ووجهها قد غمره الاحمرار، ثم عادت تنظر إلى إيان.

اقترب إيان أكثر، ونظر في عينيها بثبات "أقسم بروزالين، وبكل ما أملك، أن أجعلها سعيدة و أحميها بحياتي."

انهمرت دموع الفرح من عيني إلينورا، وهي تغطي فمها بكفيها، لا تصدق ما تسمعه.

أما الأم، فابتسمت بعد لحظة صمت طويلة، ثم قالت:

"إذن... فلست أملك إلا أن أبارك هذا الوعد أرجوك يا ملكنا اعتني بابنتي"

قفزت إلينورا إلى ذراعيه تعانقه بخجل وفرح، وهمست له بصوت مرتجف:

"لم أظن أن قصة الأميرات ستصبح حقيقة... وأنت أمير قصتي ."

ضمها إيان برفق، وعيناه تلمعان بالعزم والدفء.

لقد وجد نصفه الآخر... وها قد صار حلم الغابة وعدًا أبديا.

كان الليل قد أرخى ستاره على قصر تاريس، وإيان يجلس في غرفته الخاصة أمام مكتبه الخشبي، يكتب في مذكراته كعادته.

لكن هذه المرة، كان القلم يرتجف قليلًا بين أصابعه، ليس من الخوف، بل من الحماس.

أغلق الكتاب، ونهض بخطوات ثابتة متجهًا إلى غرفة صديقه المخلص لويد.

عندما دخل، ابتسم لويد قائلًا مازحًا "وجهك يخبرني أنك تفكر بشيء كبير... أهي إصلاحات جديدة؟ أم مغامرة أخرى؟"

اقترب إيان منه، وعيناه تشعان بلمعان لم يره لويد من قبل، ثم قال بصدق:

 "لويد... غدًا سأعلن خطبتي من إلينورا أمام الجميع."

تسمر لويد في مكانه، عيناه تتسعان دهشة قبل أن يضحك بخفة: "ها قد اعترفت أخيرًا! كنت أعلم أن تلك الفتاة خطفت قلبك. لكن... هل أنت مستعد لما سيقوله النبلاء؟"

ابتسم إيان ابتسامة عزم وهدوء:

"ليقولوا ما يشاؤون. لم أحكم هذه المملكة لأرضي غرورهم، بل لأبنيها على الصدق والعدل ،إلينورا هي اختياري."

شعر لويد بصدق صديقه، فأومأ بابتسامة مليئة بالفخر.

ثم قال إيان بصوت حازم:

 "أريد منك أمرًا، يا لويد غدًا عند الغروب، اذهب إلى منزلها في الغابة. أحضرها بعربة فاخرة، كعروس ملك تاريس."

ضحك لويد وربت على كتفه:

 " كما يرغب مولاي، سأجعل رحلتها من الغابة إلى القصر كرحلة أميرة إلى قدرها."

تنهد إيان وهو يرفع رأسه نحو النافذة، يتأمل القمر المضيء:

"لقد وقفت أمام جيوش الظلام، وواجهت سحرة الشر، لكن قلبي يرتجف الآن أكثر مما ارتجف في أي معركة. هذه المرة، المعركة هي من أجل سعادتي وسعادة من أحب ، سأعتمد عليك، لويد."

لويد ابتسم بدهشة صادقة، ثم قال:

 "إذن فلنستعد... غدًا سيكون بداية فصل جديد، ليس في حكمك فحسب، بل في حياتك كلها."

وقف إيان هناك، كملك شاب يواجه القدر بعزم، لكن هذه المرة لم يكن بالسيف، بل بقلبه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الفصل الثالث عشر ظل في الأكاديمية

استيقظت رينا قبل شروق الشمس بقليل لم يكن هناك صوت في القصر. حتى الطيور لم تستيقظ بعد، لكن قلبها كان ينبض بسرعة غريبة. فتحت عينيها وحدقت في ...