السبت، 20 سبتمبر 2025

الفصل الثاني الشر القديم و نبوءة الفراشة


بعد مرور أشهر من الإصلاحات بدأت مشاريع إيان تؤتي ثمارها.

 الحقول الخضراء استعادت بعض خصوبتها، والمدارس الصغيرة في القرى أضاءت بشموع العلم، لكن إيان لم يكتفِ بذلك.

كان يعلم أن تاريس لن تنهض من جديد إلا إذا توازنت قوتها بين العلم، والسحر، والإيمان.

في قلب العاصمة أستاريا، أمر إيان بإنشاء بناء ضخم، تحيط به حدائق واسعة تتخللها أشجار البنفسج البيضاء، وأطلق عليه اسم أكاديمية تاريس السحرية.

وقف أمام الشعب يوم افتتاحها، والآلاف محتشدون ليستمعوا إليه:

"لسنوات طويلة، حُصر السحر في قصور النبلاء واحتُكر للطبقة العليا. أما من اليوم، فإن كل من يحمل موهبة، وكل من يحب التعلم... له مكان في هذه الأكاديمية، مهما كانت طبقته أو نسبه."

ارتفعت الهتافات من بين الناس، بينما بدت الدهشة على وجوه بعض النبلاء الذين اعتادوا أن يكون السحر سرًّا من أسرار سلطتهم.

قاد لويد الأكاديمية كأول عميد لها، مستعينًا بخبرته ومعرفته في أسفاره. وضع منهاجًا صارمًا لتعليم:

التحكم في العناصر الأربعة: النار، الماء، الأرض، الهواء.

السحر العلاجي: شفاء الجروح والأمراض بالأعشاب والقدرات السحرية.

أسس التوازن: كيف يتعايش الإنسان مع قوى الطبيعة بدلًا من استغلالها.

كما وضع إيان بنفسه قوانين أخلاقية صارمة:

"تعلم السحر ليس غايته السيطرة على الآخرين، بل خدمـة المجتمع وحماية الحياة."

و أيضاً شجّع على إقامة ورش جديدة للحدادة، وصناعة الأدوات، والخزف، وفتح أسواق واسعة حيث يمكن للحرفيين بيع منتجاتهم بحرية بعيدًا عن احتكار النبلاء.

قال إيان ذات مرة وهو يتفقد ورشة حدادة:

"السيف الذي يصنعه الحداد بعرقه لا يقل قيمة عن سحرٍ يطلقه ساحر كلاهما يحمي المملكة."

رغم هذه الإصلاحات فقد رأى أن الشعب فقد إيمانه مع مرور السنوات بسبب الفوضى والحروب، لذلك أعلن:

"ابتداءً من اليوم، سيكون يوم الاثنين يومًا مقدسًا لمعبد روزالين. فيه يجتمع الناس للصلاة، للغناء، وللاحتفال بالسلام."

وفي أول يوم مخصص، امتلأ معبد روزالين بالناس من كل الطبقات ، الفلاحون، الحرفيون، وحتى بعض النبلاء.

 جلسوا معًا، دون فوارق، يستمعون إلى الكهنة وهم ينشدون ترانيم عن فراشة الحياة، رمز الإلهة روزالين.

شعر الناس بأن قلوبهم قد امتلأت دفئًا من جديد، وكأن نور روزالين عاد يبارك تاريس بعد غياب طويل.

غير أن هذه الإصلاحات لم تمر بسلام.

النبلاء الذين فقدوا احتكار السحر والسلطة بدأوا يتذمرون في الخفاء.

 بعضهم رأى أن "الملك الصغير" يقوّض مكانتهم، وأن إشراك الفلاحين في السحر والتعليم يهدد نظامهم الراسخ منذ قرون.

جلس أحدهم في قصره، يهمس لمجموعة من المتمردين:

"إنه يُفسد نظام المملكة... علينا أن نوقفه قبل أن يجرفنا تياره."

لكن إيان لم يكن غافلًا فقد أدرك أن بناء مستقبل جديد لن يكتمل دون مواجهة أولئك الذين يعادون التغيير.

وهكذا، في عهد الملك الفتى، بدأت تاريس تعرف حياة جديدة أرض تُزرع، علم يُتعلَّم، سحر يُستخدم للخير، وإيمان يُعيد الأمل، لكن الخبث كان يتكاثر خلف الستار...

كانت أكاديمية تاريس تعجّ بالحياة، أصوات الطلاب وهم يتعلمون التحكم بالعناصر، ضحكات الأطفال وهم يجربون أولى تعاويذهم البسيطة بدا وكأن نور روزالين عاد يملأ المملكة من جديد.

لكن في أعماق الغابات الشمالية، بعيدًا عن أعين الناس، اجتمع رجال ونساء يخفون وجوههم خلف أقنعة سوداء مرسوم عليها رموز غريبة.

 كانت نار خافتة تتوهج في وسط الدائرة، وسحر مظلم يتصاعد منها كرائحة الموت.

قال زعيمهم بصوت أجش:

"لقد عاد نور روزالين إلى تاريس... وصبي صغير يجرؤ على فتح أبواب السحر للجميع .. تباً إن تركناه، فسوف يعيق إحياء الشر القديم."

أجابه آخر، وعيناه تشتعلان بالشر "علينا أن نُحيي ما خُتم منذ قرون... الشر القديم الذي حُبس في أعماق الأرض وحده سيعيد لنا مجدنا."

رفع الزعيم يديه، والهواء من حوله ارتجف:

"فلنحيي إرث كالدراث، سيد الخراب، الذي حارب روزالين نفسها ذات يوم!"

في العاصمة، لم يلاحظ أحد في البداية، لكن لوسيان، بخبرته الطويلة، شعر أن شيئًا غريبًا يحدث.

حيوانات الغابة القريبة بدت مضطربة، المحاصيل في بعض الحقول ذبلت فجأة رغم الأمطار، والأطفال في بعض القرى أصابهم حُمى غامضة لم تنفع معها الأعشاب.

جلس إيان مع لويد و لوسيان في قاعة صغيرة بالقصر يناقشون الأمر.

قال لوسيان بقلق:

"هذه ليست مصادفة الشر القديم يتحرك من جديد. لقد رأيت علامات كهذه عندما كنت شابًا... قبل أن تُحبس قوى الشر تحت الأرض ببركة روزالين."

أضاف لويد:

"إنهم يستغلون الظلام، و يغذّونه بخوف الناس إن لم نتحرك سريعًا، سيستعيدون قوتهم."

إيان شد قبضته، والرمز البنفسجي على يده توهج "لن أسمح لهم تاريس بدأت تنهض من جديد، ولن أتركها تقع في يد من يسعى للدمار."

رغم قلقه، لم يتراجع إيان عن الإصلاحات بل زاد من قربه للناس، فزار معبد روزالين يوم الاثنين، ووقف بين الشعب قائلاً "لا تخافوا من الظلام... النور أقوى دائمًا، ما دمنا يداً واحدة لن نهزم."

أحس الناس بالطمأنينة، لكن في قلوب بعضهم بدأ الشك والخوف يتزايد، وهو ما كانت الجماعة المظلمة تسعى إليه.

في إحدى الليالي، تسلل عملاء الجماعة إلى أطراف الأكاديمية، وتركوا تعاويذ مظلمة على الجدران.

 وفي الصباح، أصيب بعض الطلاب بنوبات ارتجاف، وهاجت طاقات غير مستقرة في قاعات التدريب.

صرخ أحد الطلاب "إنه سحر أسود! أحدهم لوّث المكان!"

ركض لويد بسرعة، وبدأ بترتيب الحواجز السحرية لحماية الطلاب و فك التعاويذ.

 أما إيان، فقد وقف في وسط القاعة، رافعًا يده حيث رمز الفراشة أضاء بقوة هائلة، ودفع الظلام إلى التراجع.

لكن صوتًا غريبًا، قادمًا من العدم، همس في أذنه:

 "لن تنجح يا مختار روزالين... الشر القديم سيعود، وحينها ستعلم أن قوتك لا تكفي."

ارتجف قلب إيان للحظة لكن بعزم قال " لن أسمح لكم. "

وهكذا، أعلن الشر نفسه في المملكة، في مواجهة الملك الفتى و ما بين نور روزالين وظلام كالدراث، بدأت معركة جديدة تتشكل في الأفق.

لم تمضِ أيام قليلة على حادثة الأكاديمية حتى توالت الأنباء المقلقة.

قوافل الغذاء القادمة من القرى الشرقية اختفت في الطريق و محاصيل الحقول المحيطة بالأنهار فسدت فجأة.

صيادون من الجبال تحدثوا عن "مخلوقات غريبة" تتحرك في الليل و بدأ الخوف يتسرب إلى القلوب.

في قاعة العرش جلس إيان و شبك أصابعه، ورمق الحاضرين بعزم "إذن لن ننتظرهم حتى يطرقوا أبواب العاصمة سنواجههم لذا تاريس بحاجة إلى قوة جديدة، لا جيشًا منقسمًا بين النبلاء بل نخبة موحدة، تحمل نور روزالين وتدافع عن الشعب."

رفع لويد حاجبيه بدهشة "هل تفكر بما أفكر فيه؟"

ابتسم إيان وهو ينظر إلى الرمز البنفسجي المتوهج على كفه "نعم... سنؤسس فرسان روزالين."

خلال أسابيع قليلة، بدأ الإعلان في كل أنحاء تاريس:

"يُدعى كل من يملك الشجاعة والولاء للشعب أن ينضم إلى فرسان روزالين. لا مكان هنا للنبالة أو الطبقات. فقط القلب النقي والإرادة الصلبة."

تدفق الشباب والشابات من القرى والجبال والوديان، بعضهم محاربون معتادون، وبعضهم مجرد فلاحين وحرفيين أرادوا حماية أرضهم.

لويد أشرف على تدريبهم في فنون السحر الأساسية، و لوسيان ساعدهم على فهم معنى القيادة والانضباط.

أما إيان، فلم يجلس على العرش مكتوف اليدين، بل شاركهم تدريباتهم، أكل معهم، ونام في المعسكر بجوارهم.

أحد الجنود تمتم وهو يراقب إيان يتدرب معهم:

"ملكنا لا يختبئ خلف الجدران... إنه يقاتل مثلنا... انه رائع."

وهكذا، ازداد حبهم وولاؤهم له.

في إحدى الليالي، حاولت الجماعة المظلمة استدعاء وحوش لمهاجمة قرية صغيرة على الحدود.

 لكن هذه المرة لم يتركهم إيان ، قاد بنفسه أول مهمة لفرسان روزالين.

وعندما واجهوا المخلوقات السوداء، وقف في المقدمة، ورفع يده حيث رمز الفراشة البنفسجية أضاء السماء، ليبث الشجاعة في قلوب جنوده.

صرخ "من أجل تاريس! من أجل النور!" اندفع الفرسان خلفه، وكان لويد يُلقي بتعاويذ الحماية، فيما لوسيان يراقب بتأنٍ " انت مذهل يا ملكنا الصغير."

المعركة لم تكن سهلة؛ فالظلال كانت قوية، لكن روح الوحدة الجديدة منحتهم الغلبة.

و مع طلوع الفجر، سقطت الوحوش كرماد متلاشي، بينما وقف الناس مندهشين يرون لأول مرة قوة "فرسان روزالين".

انتشر الخبر سريعًا، وأصبح الناس يروون قصصًا عن الملك الشاب الذي لا يكتفي بالحكم، بل يقاتل إلى جانب شعبه. ارتفعت معنويات تاريس، وزاد إيمانهم بروزالين.

أما في الغابة المظلمة، فقد اجتمع قادة الجماعة السحرية في غضب.

قال أحدهم "الفتى لا يُستهان به.."

لكن الزعيم أجاب ببرود "ليتذوق طعم النصر... فكل خطوة يخطوها نحو القوة، تقربه أكثر من لعنة روزالين و عندما يحين الوقت... سنجعله ينهار من الداخل."

بعد النصر في أول مهمة لفرسان روزالين، عاد إيان إلى قصره مثقلًا بالتعب.

كان جسده مرهقًا، لكن قلبه مملوء بالشجاعة والفخر بما حققه مع شعبه.

 ألقى بنفسه على سريره، وما إن أغمض عينيه حتى انجرف إلى عالم غامض من النور والسكينة.

رأى نفسه في حقل واسع من الزهور البنفسجية، والسماء من فوقه تضيء بضياء ناعم أشبه بفجر أبدي.

 وفجأة، ظهرت أمامه فتاة فاتنة الجمال، لها شعر أبيض يتلألأ كالفضة، وعيناها بنفسجيتان براقتان كأحجار كريمة، وعلى ظهرها أجنحة بيضاء تشع بالنور.

ابتسمت له برقة، وصوتها كان موسيقى عذبة تخترق روحه

"إيان... يا مختاري، أنت من سيحمل نور روزالين و يضيء تاريس"

شعر إيان بالرهبة وهو يهمس:

"أأنتِ... روزالين؟"

أومأت برأسها، والفراشات النورانية حلقت حولها:

"لقد باركتك منذ ولادتك، وعلامة الفراشة على كفك ليست إلا عهدًا بيني وبينك لكن اعلم أن الظلام لم يُهزم بعد هناك من ينهض من رماده... ساحر الظلام موركار."

تبدلت ملامح الحقل، وتحول جزء من السماء إلى ظلام حالك، ومنه ظهر وجه رجل بعيون متوهجة بالحمراء، وشعر طويل أسود كسواد الليل.

كان الظلام يلتف حوله كسلاسل حية.

تابعت روزالين بصوت مهيب:

"موركار كان أحد أقوى أتباع الشر القديم، وقد نجا من الهزيمة الكبرى قبل قرون.

يسعى الآن للسيطرة على طاقة سحرية مدفونة في أعماق أرض تاريس، قوة لو حصل عليها فلن يقدر أحد على إيقافه."

إيان قبض على كفه حيث وُسمت الفراشة:

"إذن... عليّ أن أواجهه."

وضعت روزالين يدها برفق على كتفه، شعور دافئ اجتاحه:

"الوقت قد حان، يا ملك تاريس لكن تذكّر... قوتك ليست وحدها ما سيهزم موركار بل اتحادك مع من يؤمنون بك، وإيمان الناس بالنور لا تسمح للخوف أن يضعف قلبك."

ومع آخر كلماتها، تلاشت الرؤيا، تاركة خلفها فراشة بنفسجية تحلق في الفضاء حتى انطفأت.

فتح إيان عينيه متعرقًا، قلبه يخفق بشدة ، كان الليل ما يزال حالكًا، لكن إحساسه بالتهديد لم يكن حلمًا عابرًا.

نهض وجلس أمام النافذة، يراقب أضواء القمر، وهمس لنفسه:

"موركار... إذا وصل إلى تلك القوة، فلن يهدد تاريس وحدها، بل العالم بأسره."

في صباح اليوم التالي، استدعى لوسيان و لويد على وجه السرعة، وأخبرهما عن الرؤيا.

قال لوسيان بجدية:

"إن صح ما رأيته، فهذا يعني أن أيامنا المقبلة ستكون أصعب من أي وقت مضى."

أما لويد فشد على ذراع إيان وقال بابتسامة مشجعة:

"إذن، لن نتركك وحدك سنقف بجانبك."

إيان تنفس بعمق، وشد قبضته:

"إذن حان وقت الاستعداد... لن أدع موركار ينال ما يسعى إليه لن أسمح أن يُدمّر ما بنيناه من حب وسلام."

وهكذا بدأت مرحلة جديدة لم يعد الأمر صراعًا ضد جماعة مظلمة متخفية، بل مواجهة مقبلة مع أعظم ساحر شرير عرفته تاريس منذ سقوط الشر القديم.

لم يمر وقت طويل على رؤيا روزالين حتى بدأت الأخبار تتوالى من أطراف المملكة:

قوافل القرى الشمالية هوجمت من مخلوقات سوداء لم تُعرف من قبل.

القرى الحدودية الشرقية غمرها سحر أسود جعل المياه تجف فجأة.

فرسان الحراسة الذين حاولوا مقاومة هذه القوى لم يعودوا... إلا كجثث متحجرة من أثر لعنة.

وقف إيان في قاعة العرش، وأمامه لوسيان، و لويد، وقادة فرسان روزالين.

قال أحد الجنود وهو يركع:

"مولاي... لقد رأينا بأعيننا، إنهم جيش من الوحوش المظلمة يقودهم رجل في رداء أسود... لم نستطع مواجهته."

إيان قبض على يده والرمز البنفسجي يتوهج "موركار بدأ تحركه... لم يعد أمامنا وقت طويل."

بأمر من الملك الشاب، بدأت الاستعدادات ،أعاد تنظيم الجيش، فجمع الجنود القدامى والشباب الجدد.

بفضل لويد، تأسس جيش السحرة ، أول قوة سحرية منظمة في تاريس، تضم طلابًا من الأكاديمية ممن أثبتوا براعتهم.

لوسيان أشرف على وضع الخطط الدفاعية، ونظم خطوط الإمداد لحماية القرى.

وقف إيان أمام الجنود والسحرة معًا، وقال بصوت قوي:

"أيها الأبطال، تاريس لن تسقط ما دمنا نقف متحدين. قد يملك موركار الظلام لكننا نملك نور و نملك روزالين، ونملك قلوبًا لا تخشى الموت اليوم ندافع عن أرضنا، ندافع عن غدنا نصنع مستقبلنا!"

هتف الجيش بصوت واحد، حتى اهتزت أروقة العاصمة.

في تلك الليلة، وبينما كان إيان يفكر في خطوته التالية، غفى قليلًا، وإذا برؤيا أخرى تنزل عليه.

رأى روزالين من جديد، تقف وسط معبد قديم تغطيه النقوش المضيئة، وفي يديها سيف يتوهج بالنور البنفسجي، قبضته منقوشة على شكل فراشة مجنحة.

قالت له "إيان... هذا هو سيف إيثريال، سلاح صنع من شجرة الحياة نفسها لا أحد يستطيع حمله إلا المختار، به وحده يمكنك مواجهة قوة موركار."

اقتربت منه، وضعت يدها على صدره، فتوهج الرمز على كفه أكثر من أي وقت مضى:

"لكن تذكر... السيف ليس وحده كافيًا ،عليك أن تحمي تاريس بدرع من الحياة، تعويذة عظيمة أضعها بين يديك. لا يمكن إلقاؤها إلا بمساعدة ساحر حكيم تثق به."

ابتسم إيان رغم رهبة الموقف "لويد... سيكون إلى جانبي."

أومأت روزالين برقة، والفراشات تدور حولها:

"اذهب إلى المعبد القديم في أعماق الغابة الغربية... هناك ينتظرك السيف. أما الدرع النوراني، فستحتاج قوة قلبك واتحادك مع من تحبهم لتفعيله."

استيقظ إيان فجأة، والرمز على يده ما يزال مشعًا.

كان قلبه ممتلئًا بالعزيمة، لكنه شعر بثقل المسؤولية، سار إلى الشرفة، فرأى العاصمة تحت ضوء القمر، جنوده وسحرته يستعدون للمعركة القادمة.

 بجانبه لويد الذي هبط على شرفته ملاحظ القلق في عينيه:

"ما الأمر ؟ هل رأيت رؤيا اخرى؟"

أجابه إيان بثقة جديدة "نعم. لقد أرشدتني روزالين. علينا الذهاب إلى الغابة الغربية... هناك سيف أسطوري بانتظارنا، وسنصنع تعويذة نور تحمي تاريس."

لويد ابتسم، وعيناه تتلألآن بالحكمة:

"تعويذة جديدة ! رائع إذن فلننطلق يا صديقي لقد بدأت المعركة الكبرى."

مع فجر اليوم التالي انطلق إيان برفقة لويد وعدد قليل من فرسان روزالين إلى الغابة الغربية، حيث أخبرتهم روزالين أن المعبد القديم يختبئ في أعماقها.

كانت الغابة كثيفة، أشجارها شاهقة، وأرضها مكسوة بالضباب، والهواء فيها يحمل رائحة غريبة من السحر القديم.

قال لويد وهو يتفحص النقوش على الأشجار:

 "هذه الغابة ليست عادية... إنها محمية بسحر روزالين منذ قرون هذا مذهل."

إيان أمسك رمزه المتوهج على كفه، وأخذ نفسًا عميقًا: "سننجح لا يمكن أن نفشل الآن."

بعد يوم من السير، واجهتهم أول اختبار: جدار من اللهب البنفسجي قطع طريقهم.

بدا اللهب كأنه ينبض بالحياة، يتلاعب بأعينهم، ويُظهر صورًا من مخاوفهم.

رأى أحد الفرسان نفسه محاصرًا بالظلام وآخر رأى أسرته تحترق وسط النيران.

أما إيان، فقد رأى مشهدًا أكثر قسوة: تاريس مدمرة، والناس يصرخون باسمه، يلومونه على فشله ، حياته كولد يتيم وحيد.

تجمد للحظة، لكن لويد وضع يده على كتفه وقال:

"إيان... القوة الحقيقية أن ترى الخوف وتواجهه لكن لن تواجهه وحدك أنا معك."

رفع إيان يده حيث الفراشة البنفسجية أضاءت بقوة، وردد كلمات من قلبه:

"لن أسقط أمام الخوف أنا ملك تاريس، ولن أخون أملي أو أمَل شعبي ! أنا لست وحيد"

حينها انشق الجدار الناري، مفسحاً لهم الطريق.

تابعوا سيرهم حتى وصلوا إلى بحيرة ساكنة، مياهها تعكس السماء كمرآة.

 لكن ما إن خطا إيان على سطحها حتى غاص فجأة في ظلام عميق.

وجد نفسه وحيدًا في العتمة، يسمع صوتًا هامسًا:

"أنت لست إلا فتى تائه... لا تصلح أن تكون ملكًا... ولا منقذًا ، انت لا شيء."

لكن وسط الظلام، ظهرت فراشة بنفسجية مضيئة، وتذكّر وجوه الناس الذين ابتسموا له، الأطفال الذين ساعدهم، الجنود الذين وقفوا بجانبه.

أجاب بصوت ثابت "أنا لست وحدي. قوتي هي ثقة شعبي، وإيماني بنور روزالين لهذا لن ينهزم قلبي!"

فجأة، أضاءت البحيرة من تحته، وصعد منها من جديد، والضوء يكسو جسده.

بعد اختبارات عديدة أخيرًا، وصلوا إلى بوابة حجرية عظيمة مزخرفة بفراشات وأغصان شجرة الحياة.

على الباب كانت هناك نقوش غامضة.

قال لويد وهو يقرأ:

"لا يُفتح الباب إلا بكلمة الحق... الكلمة التي تحكم العلاقة بين الملك وشعبه."

إيان أغمض عينيه وفكر: ما الذي يجمعه بشعبه؟ هل هي القوة؟ أم العرش؟ أم السلالة؟

ثم ابتسم وهمس "الثقة." مع نطق الكلمة، انفتحت البوابة ببطء، والضوء تدفق منها كفجر جديد.

دخلوا القاعة الكبرى، وفي وسطها ارتفع حجر عظيم يعلوه سيف مضيء، قبضته محفورة على شكل فراشة مجنحة، ونصله يضيء بألوان البنفسج والفضة.

اقترب إيان، وكل خطوة كانت تشعره بثقل التاريخ والمسؤولية.

 مد يده المرتجفة، وما إن لمس السيف حتى توهج الرمز على كفه، واندفعت موجة من النور غمرت القاعة كلها.

سمع صوت روزالين يهمس في روحه:

"لقد أثبت شجاعتك، وقوة قلبك، وحكمتك. من الآن فصاعدًا، سيف إيثريال بين يديك ، به تحمي تاريس وتواجه موركار."

رفع إيان السيف عاليًا، والفرسان ركعوا من حوله، فيما لويد ابتسم بفخر "لقد بدأت أسطورتك الحقيقية الآن، يا ملك تاريس."

ما إن عاد إيان من المعبد حاملاً سيف إيثريال حتى اجتمع مع لويد و لوسيان في قاعة المعبد الملكي.

رفع لويد عصاه السحرية، والرموز القديمة بدأت تتوهج على جدران القاعة، بينما جلس إيان في الوسط، ممسكًا بالسيف الأسطوري، وعلامة الفراشة على كفه تتلألأ.

قال لويد بجدية: "لتفعيل درع النور، يجب أن يتحد سحري مع قوتك يا إيان. أنا سأبقى هنا في القصر لأحافظ على التعويذة، أما أنت... فستكون في ساحة المعركة لتغذيها بإيمانك وحضورك."

إيان أومأ "إذن ستكون أنت الدرع، وأنا السيف."

بدأت الطقوس، ونور هائل انبثق من قاعة المعبد، ارتفع إلى السماء وامتد ليغطي العاصمة والقرى القريبة.

كان درعًا شفافًا من النور يحيط بتاريس، يمنع تسلل السحر المظلم.

الشعب رفع أبصارهم بدهشة، وأصواتهم علت بالدعاء:

"روزالين تحمينا! إيان يقودنا!"

لكن الأخبار العاجلة وصلت جيش موركار يتحرك نحو الحدود الشمالية، يقوده وحوش الظلال، وسحرة يرتدون عباءات سوداء.

لم يتردد إيان، بل ارتدى درعه، وحمل سيف إيثريال، وامتطى جواده الأبيض، متجهًا مع نخبة من فرسان روزالين نحو الشمال.

عندما وصل إلى الحدود، وجد الجنود مرهقين وخائفين، عيونهم معلقة بالظلام المتحرك من بعيد.

تقدم إيان، ووقف بينهم، صوته يعلو فوق صخب الرياح:

"أيها الأبطال! أنتم لستم وحدكم. أنا معكم، وسيف روزالين معنا. هذا يومكم، يوم تُثبتون أن قلوب تاريس أقوى من أي ظلام!"

رفع سيفه عاليًا، فتوهج بوميض بنفسجي أضاء السماء، والجنود هتفوا بحماسة لم يشعروا بها منذ زمن:

"إيان! إيان! روزالين!"

من بعيد، كان موركار يراقب المشهد، يقف على تل مرتفع، عباءته السوداء تتماوج مع الرياح، وابتسامة باردة تعلو وجهه.

تمتم بصوت مملوء بالازدراء:

"الفتى حصل على سيفها... كما توقعت لكن ليعلم أن السيوف لا تُجدي أمام قوة الظلام الأبدية دعهم يهتفون، فالهتاف لا يوقف الخراب و سيدي سوف يعود."

رفع يده، والسماء فوق الجيش المظلم امتلأت بغيوم داكنة، والرعد دوّى كطبول حرب.

تلك اللحظة، كان لويد في القصر يحافظ على استقرار تعويذة درع النور، يردد التعاويذ القديمة بصوت ثابت رغم ضغط الظلام الذي يحاول اختراق الحاجز.

أما إيان، فوقف في الخطوط الأمامية مع فرسانه، والسيف يتوهج كمنارة وسط الليل، صوته يهدر:

"من أجل تاريس! من أجل روزالين! لن نخشى الظلام!"

ومع أول اندفاع لجيش موركار، اشتعلت الأرض بين قوتين متناقضتين، النور والظلام.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الفصل الثالث عشر ظل في الأكاديمية

استيقظت رينا قبل شروق الشمس بقليل لم يكن هناك صوت في القصر. حتى الطيور لم تستيقظ بعد، لكن قلبها كان ينبض بسرعة غريبة. فتحت عينيها وحدقت في ...