في إحدى القرى الصغيرة على أطراف تاريس، حيث تمتد الحقول البسيطة حول أكواخ متواضعة، ظهر شاب غريب لم يعرف أحد من أين أتى.
كان اسمه إيان. لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، لكن هيبته كانت تُضفي عليه وقارًا لا يشبه صغار السن.
شَعره الأسود يلمع تحت أشعة الشمس، وعيناه البنفسجيتان تعكسان بريقًا غامضًا، كأنهما تخفيان سرًا لا يعلمه سواه.
كان قريبًا من قلوب الناس و يقضي نهاره يساعد الفلاحين في حرث الأرض و يساعدهم بسحر يحسن نموها.
و بسحره العلاجي يعالج المرضى و المصابين يعلمهم على الأعشاب الطبية التي تعلمها في أسفاره.
بدا كما لو أن الحكمة تسبق عمره، وكأن في داخله نورًا يهديه إلى الصواب دائمًا.
وذات يوم، اجتاح قريته هجوم مباغت من قطاع طرق اعتادوا نهب القرى وسلب قوت الفقراء.
ارتعب الأهالي، فهم مجرد فلاحين لا يملكون سوى أدوات بسيطة لا تصلح للقتال.
لكن إيان لم يتراجع وقف أمامهم بشجاعة يتصدى لهم بمهارة و قوة.
انتهى القتال بهزيمة اللصوص وفرارهم، بينما بقي إيان واقفًا بين أهل القرية، ووجهه مغطى بالغبار وملابسه ممزقة، لكن عينيه البنفسجيتان ما زالتا تلمعان بقوة لا تُكسر.
في تلك الليلة، اجتمع أهل القرية حوله، بعضهم يصفق، وبعضهم يبكي من الفرح، وقد أدركوا أن الشاب الغامض لم يكن عابر سبيل عاديًّا.
بدأ اسمه يتردد على الألسنة:
"إيان... يقال أنه انقذ قرية بمفرده... لعله هو الأمل... المختار الذي وُعدتنا به الأساطير." وهكذا، كانت تلك الليلة بداية الأسطورة.
يمض وقت طويل حتى انتشرت أخبار "الشاب الغامض" في القرى المجاورة.
كل من سمع بقصته أراد أن يراه، وكل من التقاه أحسّ بطمأنينة لم يعهدها من قبل.
في إحدى القرى التي أنهكها الجفاف، جاءه شيخ طاعن في السن وقال له برجاء:
"أيها الفتى... أرضنا لم تُثمر منذ أعوام، ساعدنا، فنحن على وشك الهلاك."
أخذ إيان يدرس الأرض بصبر، ثم دلّهم على نبع ماء صغير في سفح الجبل وساعدهم على حفر قناة صغيرة، وما هي إلا و استعمل السحر لجعل الأرض خصبه و لم تمر سوى أيام حتى عادت الحقول تخضرّ من جديد.
وفي قرية أخرى، وجد أهلها يتنازعون على قطعة أرض، حتى كادوا يقتتلون. جلس إيان بينهم وقال بهدوء:
"الأرض لا تنتمي إلى أحد، بل أنتم تنتمون إليها، إن تقاسمتموها ستمنح لكم خيرها."
بكلماته البسيطة، حلّ النزاع كان في أوقات فراغه يعلم الأطفال القراءة و الكتابة و يدرب بعض الصبيان.
تكن أصداء شجاعة إيان تقتصر على القرى الفقيرة فقط، بل وصلت أخباره إلى العاصمة أستاريا، حيث كان الملك العجوز يعاني من ثقل الأزمات.
فقد اجتمعت المصائب على تاريس؛ النبلاء يتنازعون فيما بينهم، الجيش منقسم الولاء، والشعب غارق في الفقر.
لكن أشدّ ما زلزل المملكة كان ظهور وحوش غامضة خرجت من غابات مظلمة قرب الحدود الشرقية، وحوش لم يرها أحد من قبل، تلتهم القرى وتترك وراءها الخراب.
وقف الملك في قاعة العرش، وجهه شاحب وعيناه غارقتان بالقلق، بينما يتجادل النبلاء من حوله:
"علينا حماية قصورنا أولًا!"
" لنُرسل الجنود إلى الحدود الشرقية! "
"بل لنُحكم قبضتنا على العاصمة قبل أن نضعف أكثر!"
كان الجدال عقيمًا، والملك يزداد يأسًا. عندها تقدّم مستشاره الحكيم، رجل أشيب اللحية اسمه لوسيان، وقال بصوت عميق "مولاي، لقد عجزنا عن الاتحاد، لكن هناك أمل يلوح في الأفق... إنه الشاب الذي تتحدث عنه الشائعات."
رفع الملك رأسه بتعب "أتقصد ذاك الذي يدعوه الناس منقذ القرى؟"
"نعم، يا مولاي، إن كان ما يقال عنه صحيحًا، فهو خير من كل هؤلاء المتناحرين لندعه إلى هنا و نرى ."
وافق الملك على رأي مستشاره فأرسل مرسول ليحضر الشاب الغامض.
وفي صباحٍ مشرق، دخل إيان قصر الملك لأول مرة.
كان يرتدي ثيابه البسيطة، لكنه وقف بين حراس القصر شامخًا، وعيناه البنفسجيتان تلمعان كأنهما تعرفان مصيرًا أكبر ينتظره.
قال الملك وهو يتأمله "أأنت الفتى الذي تلهج باسمه القرى؟"
انحنى إيان باحترام و أجاب "أنا إيان شرف لي لقاءك يا مولاي."
اقترب منه الملك و قال بجدية " مملكتنا تواجه خطرًا لم نعرف مثله من قبل. وحوش غامضة تهدد حدودنا، وجنودنا مشتتون بين أوامر متناقضة لذت أريدك أن تقودهم هل تقبل؟"
سكت إيان لحظة، قلبه يتصارع بين تردده وإحساسه بالمسؤولية. ثم رفع رأسه قائلاً بحزم:
"إن كان هذا لأجل تاريس... فسأفعل."
عند وصوله إلى الجبهة الشرقية، كان المشهد أشبه بكابوس؛ قرى محترقة، صرخات الأطفال، وجنود يقاتلون بلا نظام ضد وحوش هائلة بأجساد مظلمة وأنياب لامعة.
وقف إيان في الصفوف الأولى، محاطًا بجنود ينظرون إليه بقلق، بعضهم يسخر في خفاء:
"كيف يقودنا هذا الصبي؟"
" انه صبي ريفي "
لكن حين اندفعت موجة الوحوش، ظهر جوهر إيان. صرخ بأعلى صوته:
"اثبتوا! اتحدوا تحت راية واحدة! هذه الأرض أرضكم... قاتلوا من أجلها لا تستسلموا! "
وبشجاعة، اندفع يقاتل في المقدمة، يحرك الجنود بثقة كأن النصر حليفه.
ومع ذلك، كان عدد الوحوش يتزايد بشكل يفوق الوصف. أحد الجنود صرخ "سنُباد! عددهم لا ينتهي!"
وفي لحظة كادت أن تنهار فيها الصفوف، أُصيب إيان بجرح عميق في يده. سقط على ركبتيه، والدم يتساقط على التراب.
وفجأة، أضاء كفه بنور بنفسجي متلألئ ظهر على جلده رمز فراشة بنفسجية، ينبض كأنها كائن حي.
شعر إيان بحرارة قوية تجتاح جسده، وسمع في داخله همسًا أنثويًا رقيقًا:
"يا مختاري... أنا روزالين الهة تاريس وقد آن أوان أن تحمل قوتي قُد شعبي، فأنت أملي الأخير."
نهض إيان، ويده المتوهجة تبعث موجات من الطاقة البنفسجية.
تدفقت الفراشات المضيئة حوله، وعندما لامست أجساد الجنود اندملت جراحهم، وامتلأت قلوبهم بالشجاعة.
أما الوحوش، فارتجفت أمام النور البنفسجي، وتراجعت كأن قوة خفية تطرد الظلام عنها.
البعض تصنم مكانه و عم صمت ثقيل و فجأة صاح الجنود
" إنه المختار ... الأسطورة حقيقية!" تعالت الهتافات " المختار .. المختار "
في تلك اللحظة، لم يعد مجرد شاب غامض، بل أصبح رمزًا حيًا للأمل، واكتشف بنفسه أنه لم يكن عاديًا قط... بل المختار من روزالين، إلهة تاريس وحامية شجرة الحياة.
وهكذا، بدأت رحلة إيان الحقيقية.
بعد المعركة العظيمة التي أنقذ فيها إيان الجبهة الشرقية من الغزو الغامض، عاد النصر إلى تاريس لأول مرة منذ سنين طويلة.
ارتفعت رايات الفرح، وهتف الجنود باسمه في ساحات القرى، حتى أن العاصمة نفسها امتلأت بحديث واحد "الشاب المختار... بطل روزالين... منقذ تاريس."
أراد الملك أن يُكرم هذا الشاب الذي ردّ للمملكة كرامتها، فأمر بإقامة حفل كبير في القصر في اليوم التالي، ليشهد الناس جميعًا صانع النصر.
لكن إيان، على بساطته، لم يطلب شيئًا من ذلك.
بعد أن عاد من ساحة المعركة، اتجه إلى النُزل المتواضع الذي يقيم فيه، جلس قرب نافذته ينظر إلى السماء المرصعة بالنجوم، والرمز البنفسجي المتوهج لا يزال على كفه.
تمتم مع نفسه:
"ما الذي يحدث لي؟ أنا مجرد مغامر... لم أطلب أن أكون بطلاً، فكيف صرت أمل مملكة بأكملها؟"
وفي منتصف الليل، دوّى صراخ في العاصمة، وصوت أجراس الكنائس يقرع بشدة.
استيقظ الناس مذعورين، وركض الجنود في الشوارع، والهمسات تحولت سريعًا إلى نحيب "الملك...مات... الملك قد اغتيل!"
هرع المستشار لوسيان إلى النزل، وجهه متجهم وعيناه مليئة بالدموع.
دخل غرفة إيان وهو يلهث، وفي يده صندوق صغير مختوم بالشمع الملكي. قال بصوت متهدج:
"إيان... لقد رحل مولاي. لقد سقط الملك ضحية خيانة آثمة هذه الليلة."
وقف إيان مذهولاً، عيناه متسعتان "ماذا تقول؟! الملك؟!"
"قبل موته بساعات، ترك هذه الوصية مختومة باسمه وختمه وقال لي: إن حدث لي مكروه... فلتسلَّم هذا إلى الشاب المختار."
ارتجفت أصابع إيان وهو يفتح الوصية كانت كلمات الملك واضحة، مكتوبة بخط يده المرتعش:
"إلى إيان، منقذ تاريس... رأيت فيك ما لم أجده في النبلاء ولا في جيشي. لقد وحّدت الشعب بشجاعتك، وأعدت الأمل إلى مملكتي التي تمزقها الحروب. أوصي أن تكون أنت الملك من بعدي سأتنازل عن العرش لك ارجوك لتكن ملك العدل والسلام. فلتكن إرادة و نور تاريس."
تساقط الصمت على الغرفة، لم يسمع إيان سوى خفقان قلبه المضطرب.
رفع رأسه نحو المستشار وقال بدهشة لا تخلو من رفض "أنا؟ ملك؟! أنا مجرد مغامر متجول، لا أمير ولا نبيل كيف لي أن أجلس على العرش؟"
وضع لوسيان يده على كتف الفتى، ونظر إليه بجدية "إيان... روزالين اختارتك، والشعب يؤمن بك. الملك لم يُخطئ حين رآك جديرًا بالعرش إن لم تكن أنت... فمن سيكون؟ النبلاء المتناحرون؟ أم القتلة الذين اغتالوا ملكنا؟"
تراجع إيان خطوة إلى الوراء، وجهه بين الشك والحيرة.
كان يشعر بثقل لم يعرفه من قبل، كأن العالم كله انقلب عليه في ليلة واحدة.
تمتم بصوت منخفض، يكاد لا يُسمع "هل قدري... أن أكون ملكًا؟"
وفي الخارج، كانت العاصمة تغرق في الفوضى، أصوات الشعب بين النحيب والارتباك، والمدينة تنتظر صباحًا جديدًا لا أحد يعرف ملامحه.
لكن بين يدي إيان، كانت وصية ستغيّر مجرى تاريس إلى الأبد.
وهكذا، بدأت رحلة التتويج المليئة بالدماء والمؤامرات.
اليوم التالي أقيمت جنازة لائقة للملك كان الشعب حزينا فقد أحبوه لقد كان اسبوع حزيناً.
أول خيوط الصباح، اكتست العاصمة أستاريا بحلّة لم تعرفها منذ أعوام طويلة.
شُعلت المشاعل في الشوارع، وزُيّنت الأسوار برايات تاريس وأقيمت منصة عظيمة في ساحة القصر استعدادًا للحفل الذي أمر الملك الراحل بإقامته تكريمًا لإيان.
وقف إيان في الساحة، مرتديًا زياً ملكياً.
ترددت في أذنيه أصوات الناس:
"هو بطلنا!"
"إنه منقذنا!"
"المجد لإيان المختار!"
ثم صعد لوسيان إلى المنصة، وجهه مهيب وصوته عميق "أيها الشعب، أيها النبلاء... جئنا اليوم نحتفل بنصر عظيم حققه هذا الشاب، حين أنقذ تاريس من مخالب الوحوش. ولكن قبل أن يكتمل الفرح، علينا أن نستمع إلى كلمات ملكنا الراحل." عمّ الصمت، والوجوه ارتجفت بالدهشة والقلق.
تابع لوسيان، وهو يرفع الوصية مختومة بخاتم الملك:
"لقد اغتيل الملك الأسبوع الماضي بخيانة خسيسة... وهذه وصيته الأخيرة."
تصاعدت الهمهمات، وبدا الغضب في عيون النبلاء. فتح لوسيان الرسالة وقرأ بصوت جليّ "أوصي أن يكون إيان... مختار روزالين... هو الملك الجديد لتاريس."
سرت الصاعقة بين الصفوف، وصوت الناس ارتفع بالدهشة، بعضهم صرخ فرحًا، وبعضهم بكى، بينما ارتجف النبلاء كأنهم طُعنوا بخناجر في كبريائهم.
أحد النبلاء صرخ غاضبًا "لا يمكن! أيعقل أن يُسلَّم العرش لفتى مجهول لا دم ملكي في عروقه؟!"
وأضاف آخر "هذه مؤامرة! كيف يُقارن مغامر عابر بأسياد تاريس؟!"
وقف إيان في وسط المنصة، وصوته هادئ لكنه حازم "أنا لم أسعَ إلى عرش تاريس... لكن إن كان هذا ما أراده الملك، وإن كان هذا ما تحتاجه تاريس... فلن أتراجع سأقود تاريس إلى النور."
رفع كفه عاليًا، والرمز البنفسجي للفراشة المضيئة ظهر أمام الجميع، فأضاء الساحة كلها.
سكت الناس بدهشة، حتى النبلاء ارتجفوا أمام النور، غير قادرين على إنكار أنه مختار من قوة أعلى.
تابع إيان بصوت عميق "لقد مزقتكم الحروب، وجوّعكم الطمع لكن أنا... لن أسمح أن تسقط تاريس مرة أخرى إن رفضتموني كملك، فليكن، لكنني لن أتوقف عن القتال من أجل هذا الشعب حتى يولد الأمل من جديد."
ارتفعت صيحات الشعب في الساحة كالرعد:
"إيان! إيان! يعيش.. ملكنا المختار!"
بينما تبادل النبلاء النظرات السوداء، وقد بدأوا بالفعل في التفكير بخطوة تالية لإسقاطه.
فقد أدركوا أن وصية الملك وصوت الشعب وعلامة روزالين جميعها قد توحدت في شخص واحد: إيان.
وهكذا، وُلد ملك جديد من بين الفوضى، لكن معركته الحقيقية لم تبدأ بعد.
لم تعرف أستاريا يومًا أكثر بهاءً من ذلك اليوم.
دُقّت الأجراس من أعلى أبراج القصر، وتلألأت الشوارع بأزهار البنفسج التي نُثرت في كل زاوية، فيما توافد الناس من القرى والبلدات البعيدة ليشهدوا الحدث العظيم ، تتويج الملك الجديد، إيان.
كان عمره لم يتجاوز السادسة عشرة، ومع ذلك وقف شامخًا في قاعة العرش، مرتديًا رداءً ملكيًا بسيطًا، دون زخرفة مبالغ فيها، كأنه أراد أن يظل قريبًا من الناس لا فوقهم.
تقدّم الكاهن الأكبر وهو يحمل تاج تاريس المرصع بأحجار بنفسجية النادرة، ووضعه فوق رأس إيان وسط صمت مهيب. ثم أعلن بصوت عالٍ:
— "ليُبارككم الإلهة روزالين... ولتنهض مملكة تاريس بقيادة ملكها الجديد، إيان!"
ارتجّت القاعة بالهتاف، وارتفعت أصوات الشعب من خارج الأسوار:
— "إيان! إيان! ملكنا المختار!"
وقف النبلاء على جانبي القاعة، وجوههم متجهمة رغم ابتسامات مجاملة بالكاد تخفي غيظهم. كانوا يرون في هذا الفتى تهديدًا لمكانتهم ونفوذهم.
لكن إيان لم يلتفت لعيونهم الحاقدة، بل التفت نحو شخص كان واقفًا بين الحاضرين، يبتسم بهدوء وعينيه تتلألآن بالحكمة صديقه القديم، لويد الساحر الشاب، الذي شاركه مغامراته ورحلاته.
اقترب منه إيان أمام الجميع، ومد يده قائلاً بصوت صادق
"لويد...تسرني رؤيتك لطالما كنت بجانبي، فهل تقف اليوم بجانبي في حكم تاريس، كما وقفت بجانبي في الغربة؟"
أحنى لويد رأسه ابتسامةً، وقال "سيكون شرفًا لي، يا صديقي و ملكي."
لم يكتفِ إيان بذلك، بل التفت نحو المستشار لوسيان، الذي خدم الملك الراحل بإخلاص، وصوتُه يحمل رجاءً أكثر من أمر "لوسيان... خدمت الملك الراحل بحكمة وصبر، وكنت ساعده الأمين في أحلك الأيام. أرجو أن تبقى بجانبي و ترشدني."
انحنى لوسيان بابتسامة " سأكون إلى جانبك يا مولاي."
ساد القاعة همس بين النبلاء: كيف لملك أن يتحدث بهذا التواضع أمام شعبه ومستشاريه؟ لكن الشعب انفجر بالتصفيق والهتاف، إذ رأوا في إيان ملكًا مختلفًا، ملكًا لا يتعالى عليهم ولا يتسلط، بل يطلب العون مثلهم.
جلس إيان على العرش للمرة الأولى، والرمز البنفسجي للفراشة المضيئة ظهر على كفه كأنه يبارك اللحظة، فأحنى الناس رؤوسهم بخشوع.
أما النبلاء... فقد تبادلوا النظرات المظلمة، وأيقنوا أن هذا الفتى ليس من السهل السيطرة عليه، وأن معركتهم الحقيقية بدأت الآن.
بعد أيام قليلة من حفل التتويج، اجتمع مجلس النبلاء في القاعة الكبرى بالقصر الملكي.
القاعة نفسها بدت أثقل مما شعر به إيان يوم جلس على العرش؛ فقد امتلأت بالطموحات الخفية، والأنظار المليئة بالريبة.
جلس إيان على العرش، بجانبه لويد الساحر الشاب الذي كان يراقب كل شيء بعين هادئة، وخلفه المستشار لوسيان، الذي وقف كظلٍّ حارس، يتأمل بحكمة في كل قرار سيتخذه الملك الفتى.
تقدّم أحد النبلاء، طويل القامة، يرتدي معطفًا أرجوانيًا فخمًا وقال بنبرة متعالية "مولاي الملك، أعلم أن حكم المملكة شاق على شاب في مثل عمرك. لذا، أرى أن تُترك شؤون الدولة لنا نحن النبلاء، فخبرتنا أكبر."
ارتفعت همهمات التأييد من بعض النبلاء الآخرين، كانوا ينتظرون ردّ الملك الجديد.
لكن إيان لم يظهر تردّدًا صوته كان ثابتًا:
" قد يكون كلامك صحيح ولكنني رأيت آلام القرى، جوع الأطفال، وتقاتل العشائر لن أكون ملكًا يجلس مكتوف الأيدي ويترك كل شيء للآخرين. منذ هذه اللحظة، سأشارككم القرارات... لكن لن أتنازل عن واجبي كملك."
تبدلت ملامح بعض النبلاء، وظهرت ابتسامات ساخرة على وجوه آخرين، لكن الشعب لم يكن حاضرًا ليسمع كلمات إيان.
وحدهم لوسيان و لويد شعرا بالصدق في صوته.
رفع إيان يده، وعرض خطته الأولى "أول مهماتي كملك هي إعادة بناء تاريس وسأبدأ من جذورها سنعيد توزيع الأراضي الخصبة التي احتكرها بعض النبلاء على الفلاحين و سننشئ قنوات جديدة لري الحقول و سأقوم بإصلاح النظام الاداري و التعليم "
يدرك إيان أن بناء مجتمع قوي يعتمد على تعليم الشعب، لذلك ركز على إصلاح نظام التعليم ، لذا أنشأ مدارس في كل القرى الصغيرة وأصدر مرسوماً بأن التعليم حق للجميع بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية .
في هذه المدارس تم تعليم الأطفال ليس فقط القراءة والكتابة، بل أيضا مهارات الزراعة و الحرف اليدوية التي تُساهم في تنمية المجتمع ، كما قام بإنشاء مراكز لتعليم الكبار أيضاً.
" هل يسمح لي مولاي بكلمه ؟ " قال لويد باحترام أومأ إيان برأسه .
" اهم شيء لاستقرار أي مملكة هو الجيش لنفتح التسجيل لكل من يريد ان يكون فارس، و لننشئ مركز العدالة لحرس يجولون في أرجاء العاصمة في دوريات لحمايتها."
ابتسم إيان لهذه الفكرة الرائعة و نظر للوسيان.
أومأ لوسيان برأسه " هذه فكرة مذهلة سيد لويد."
قال إيان بصوت عالي " سنوحد الجنود المخلصين تحت راية واحدة، بعيدًا عن الانقسامات التي مزقتنا."
ساد الصمت القاعة بعد هذه الكلمات، وكأن الجميع لم يتوقع أن فتى السادسة عشرة يتحدث بهذه الثقة.
ضحك أحد النبلاء أحد النبلاء بسخرية "مدارس للفلاحين؟ لقد جُنّ الملك الصغير..."
لكن قبل أن يعلو صوته أكثر، تقدّم لويد، عينيه المتوهجتين بالهدوء "ما تعتبره جنونًا هو ما سيعيد لهذه المملكة قوتها "
أما لوسيان فابتسم بخفة و فكر في نفسه "إنه يذكّرني بالملك الراحل... لم يخطئ حين اختاره."
وبينما يتبادل النبلاء النظرات القاتمة، كان إيان يدوّن ملاحظاته بنفسه، غير آبه بسخريتهم، فقد قرر أن تكون بداية عهده عهداً للإصلاح، لا للترف .
وهكذا، في أول اجتماع لمجلس النبلاء، أعلن الملك الفتى بوضوح أنه لن يكون ألعوبة في أيدي الطامعين، بل قائدًا يزرع الأمل من جديد.
لم تمر أيام على اجتماع المجلس حتى بدأ إيان بتنفيذ أولى إصلاحاته.
لم يكتفِ بإصدار الأوامر من قاعة العرش، بل خرج بنفسه ليتفقد القرى، برفقة لويد و لوسيان، وعدد صغير من الحرس الملكي.
في قرية صغيرة عند سفوح الجبال التقى بسكانها و بدأ العمل معهم و بمساعدة لويد و سحره عزز التربة و حسن من إنتاج المحاصيل ثم عرض فكرة بناء قنوات ري حجرية تستمد المياه من النهر القريب، وهو ما أثار دهشة الفلاحين.
ضحك أحد الشيوخ قائلاً "لم نرَ ملكًا يغرس البذور بيديه من قبل!"
فابتسم إيان وهو يضع حفنة من التراب في كفه " لا تقلق فأنا أحب الزراعة ايضاً ."
ضحك الشيخ و القرويين حين رأوا تراب على وجه ملكهم
" هاهاها انت مثير للاهتمام جلالة الملك."
لكن هذه الإصلاحات لم تُعجب الجميع. ففي العاصمة، اجتمع بعض كبار النبلاء في قصرٍ مظلم، يتجادلون بحدة:
"إنه يسلب أراضينا ليعطيها للفلاحين!"
"إن استمر هكذا، سيفقد النبلاء سلطتهم... وسينهض الشعب ضدنا."
"علينا أن نوقفه."
أمام مدرسة القرية الصغيرة التي قيد الانشاء وقف إيان بين مجموعة من الأطفال الفقراء، وهو يوزع عليهم ألواحًا خشبية صغيرة للكتابة قال بابتسامة:
"ابتداءً من اليوم، لن يكون التعليم حكرًا على النبلاء أنتم مستقبل تاريس، وستكتبون تاريخًا جديدًا بأيديكم."
لويد بدوره بدأ يُعلّم الأطفال مبادئ القراءة، مستخدمًا القصص والحكايات عن السحر والبطولة لجعل الدروس أكثر إثارة.
أما لوسيان فكان يراقب، متأملًا كيف أن هذا الملك الفتى يحقق في أيام قليلة ما لم يجرؤ عليه الملوك من قبله.
ليلاً، جلس إيان وسط نار مشتعلة ، يشارك الأهالي خبزهم البسيط.
قالت له امرأة عجوز "لقد مرّت علينا أعوام طويلة دون أن نرى وجه ملك بيننا اليوم نشعر أننا لسنا منسيين."
نظر إيان إلى النجوم، وعيناه تلمعان بالعزيمة "لن أنسى أي أحد، ولن أدع تاريس تعود إلى الظلام ما دمنا معًا... سنعيد الحياة إلى هذه الأرض."
وهكذا، بدأ عهد الإصلاحات، بين دعم الشعب ومقاومة النبلاء، وبين الحقول والقصور.
لقد اختار إيان أن يكون ملكًا يعيش بين الناس، لا ملكًا محبوسًا خلف الأسوار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق