في الصباح الباكر و بعد توديع الملك و الملكة ركبوا العربة متجهين للميناء.
كان البحر أمامه يمتد بلا نهاية، مياهه الزرقاء تتلألأ تحت أشعة الشمس كأنها مرصعة بالنجوم.
الأمواج تتماوج بهدوء، وصوتها العذب يملأ الأجواء.
نسيم البحر البارد حمل معه رائحة الملح، وملأ رئتي لوك بشعور جديد تمامًا.
وقف عند حافة السفينة، يراقب الأفق بعينين واسعتين، كأنه طفل يرى البحر لأول مرة… لأنه بالفعل، كان أول لقاء له مع هذا الامتداد الشاسع من المياه.
"هذا مذهل…" همس لنفسه، بينما شعر بنسيم البحر يداعب شعره الذهبي.
اقترب منه جوران، الذي كان يمضغ تفاحة بمرح، وقال: "أول مرة ترى البحر، أليس كذلك؟"
هزّ لوك رأسه إيجابًا، وابتسم وهو لا يزال مبهورًا: "لم أتخيل أبدًا أنه سيكون بهذا الجمال… لطالما كنت أعيش في قريتي الصغيرة، لم أخرج منها قط حتى الآن."
ربت جوران على كتفه قائلاً: "سترى أشياءً أكثر دهشة في رحلاتنا القادمة. العالم أوسع مما تتخيله، يا صديقي."
بعد لحظات، انضمت إليهما ميلين وريكا، وكلتاهما كانت تستمتع بمنظر البحر أيضًا.
قالت ميلين وهي تسند ظهرها إلى الحاجز: "يبدو أنك مستمتع جدًا، لوك."
ضحك لوك بخفة: "كيف لا أكون؟ إنه شعور مختلف تمامًا… إنه يذكرني بمدى صغر عالمي قبل أن أبدأ هذه الرحلة."
نظرت إليه ريكا باهتمام، ثم سألته: "هل تفكر في قريتك؟"
صمت لوك للحظة، ثم أومأ برأسه ببطء: "نعم… أفكر في راستين، في الأشخاص الذين فقدتهم… أشعر بالحزن على ما حدث، لكنني أدركت شيئًا خلال رحلتنا."
التفت نحوهم، وعيناه تلمعان بتصميم هادئ: "لم أعد وحيدًا. لدي انتم جميعًا الآن، ميلين، ريكا، جوران… وحتى رايكو."
عند سماع اسمه، رفع رايكو رأسه من مكانه على سطح السفينة ونظر إلى لوك بعيونه الفضية الحكيمة، قبل أن يقول بصوت هادئ: "وأنا لن أدعك تكون وحيدًا أبدًا، يا لوك."
ابتسم لوك، شعر بدفء غريب في صدره و أومأ برأسه مبتسماً.
ميلين أمالت رأسها قليلاً ونظرت إلى البحر قائلة: "أحيانًا، الرحلات تجعلنا ندرك أمورًا لم نكن ننتبه لها من قبل ، في البداية، كنت أظن أنني وحدي أيضًا، لكنني أدركت أنني وجدت أصدقاءً يستحقون القتال من أجلهم."
ريكا ابتسمت بلطف، ثم قالت: "وأنا كنت دائمًا داخل المعبد، لم أخرج للعالم حتى بدأت هذه الرحلة معكم لم أظن أنني سأجد أشخاصًا أهتم بهم بهذا الشكل."
جوران رفع يديه وقال مازحًا: "إذن، كلنا كنا وحيدين بطريقة ما، والآن أنا أيضا كنت دائماً في القصر والآن أصبحنا عائلة واحدة؟"
ضحك الجميع، حتى رايكو أطلق صوتًا بدا وكأنه ضحكة .
بعد أيام من الإبحار، ظهرت في الأفق مملكة سيرثار، أرض البحارة والتجار.
بدأت السفينة تقترب من الميناء المزدحم، حيث تصطف السفن الضخمة، وتصدح أصوات الباعة في الأسواق الساحلية.
لوك نظر إلى المدينة بدهشة، متحمسًا لما ينتظرهم هناك.
لم يكن يعلم أن هذه الأرض تخفي أسرارًا خطيرة، وأن رحلتهم في سيرثار بداية مغامرة جديدة تمامًا.
عندما توقفت السفينة أخيرًا، كان هناك وفد ملكي ينتظرهم. رجال بملابس رسمية تحمل شعار مملكة سيرثار، وسيدة في منتصف العمر ترتدي درعًا أنيقًا مزينًا برموز البحر، اقتربت منهم بخطوات ثابتة.
"مرحبًا بكم في سيرثار، أيها الأبطال." قالت بصوت قوي، ثم انحنت قليلاً احترامًا.
تقدم منها جوران بابتسامة وقال: "يبدو أن أخبارنا وصلت قبلنا!"
ردت السيدة بإيماءة: "لقد تلقى الملك نيثان رسالة من ملكة فلوريان، تُعلمه بوصولكم. وهو ينتظركم في القصر."
رافقهم الوفد خلال عبورهم شوارع سيرثار، حيث امتلأت الطرق بالباعة الذين يعرضون بضائعهم ، أسماك طازجة، توابل نادرة، وأقمشة حريرية مستوردة من أراضٍ بعيدة.
الموسيقى الشعبية كانت تُعزف في الساحات، وأصوات التجار تنادي لجذب الزبائن.
كان الجو مختلفًا تمامًا عن المدن التي زاروها من قبل، أكثر صخبًا ومرحًا.
حيث استقبلهم الملك نيثان رجل قوي البنية ذو لحية قصيرة وشعر أسود مموج، يرتدي عباءة زرقاء مزينة بالرموز البحرية.
"مرحبًا بكم في مملكتي، محارب القمر و رفاقه." قال بصوت عميق، وهو يراقبهم بعينيه الزرقاوين.
انحنى لوك ورفاقه احترامًا، ثم قال لوك: "نشكر جلالتكم على حسن الضيافة."
أشار الملك إليهم بالجلوس، ثم تابع: "لقد سمعت عنكم وعن معركتكم في فلوريان… يبدو أنكم تحملون عبئًا كبيرًا على عاتقكم."
تقدمت ريكا وقالت بنبرة جادة: "نحن هنا لأننا نعتقد أن هناك خطراً يهدد سيرثار أيضًا. سيد الفناء لن يترك أي مملكة بسلام."
أومأ الملك برأسه وقال: "لهذا السبب دعوتكم للقصر… لدينا معلومات قد تكون مهمة لكم، وأريد أن أطلب مساعدتكم."
نظر لوك إلى رفاقه، ثم عاد بنظره إلى الملك وقال بحزم: "نحن مستعدون لسماع ما لديك."
بعد أن جلس لوك ورفاقه في قاعة الاجتماعات الملكية، أشار الملك نيثان لخادم يقف بجانبه، فهرع الأخير ليحضر خريطة كبيرة ويفردها على الطاولة أمامهم.
كانت الخريطة تُظهر سيرثار والمناطق المحيطة بها، مع علامات مرسومة بالحبر الأسود في مواقع معينة.
قال الملك بصوت جاد: "قبل أسابيع، بدأ بحّارتنا بالإبلاغ عن ظواهر غريبة في البحر. في البداية، ظنناها مجرد حوادث معزولة، لكن سرعان ما أدركنا أنها تزداد سوءًا."
اقترب لوك من الطاولة، محاولًا تحليل الخريطة، ثم سأل: "ما نوع هذه الظواهر؟" أجاب الملك بقلق: "اختفاء سفن بأكملها دون أثر… شواهد على مخلوقات
غامضة تظهر في الليل… وعواصف تنشأ من العدم، حتى في الأيام التي يكون فيها البحر هادئًا."
عبست ريكا وقالت: "هل يمكن أن يكون لهذا علاقة بسيد الفناء؟"
تدخل جوران مستندًا على الطاولة: "ربما يكون هناك حجر شيطاني في أعماق البحر، مثل الذي وجدناه في فلوريان!"
أومأ الملك ببطء، ثم قال: "هذا ما نخشاه… لكن الأمر لا يتوقف هنا."
نظر الجميع إليه باهتمام، بينما تابع حديثه: "قبل أيام، أرسلنا مجموعة من المحاربين للتحقيق في كهف قديم يُقال إنه كان معبدًا قديمًا لروح البحر لكن لم يعد احد منهم."
تنهد و واصل حديثه: "إذا كان هناك تهديد يهدد مملكتي، فلن أقف مكتوف اليدين ، لكنني بحاجة إلى أبطال قادرين على مواجهة هذا الخطر."
نهض لوك، وعيناه تلمعان بالإصرار، ثم قال: "سوف نذهب إلى هناك… لن نسمح لسيد الفناء ببسط ظلامه على هذه الأرض أيضًا."
ابتسم الملك بإعجاب، ثم قال: "أعتمد عليكم… سأزودكم بكل ما تحتاجونه قبل أن تنطلقوا."
بعد الاجتماع، أمضى لوك ورفاقه اليوم في الاستعداد للرحلة إلى كهف روح البحر.
تجولت ميلين في الأسواق، تبحث عن أسلحة وأسهم جديدة، بينما كانت ريكا تشتري أعشابًا نادرة لتحضير تعاويذ شفاء قوية.
أما جوران، فقد ذهب إلى الحانات لجمع المعلومات من الصيادين والبحارة حول الكهف.
في المساء، اجتمعوا في غرفتهم لمناقشة خطتهم، بينما جلس لوك يتأمل البحر من النافذة و كان يشعر بأن هذه المهمة مختلفة… وكأن شيئًا خطيرًا ينتظرهم هناك.
اقترب رايكو منه وقال بهدوء: "هل أنت مستعد؟"
ابتسم لوك وقال: "دائمًا."
في صباح اليوم التالي، كان لوك ورفاقه يقفون على رصيف الميناء، حيث كانت سفينة ملكية تنتظرهم.
كانت الرياح لطيفة، والبحر يعكس زرقة السماء الصافية، لكن رغم ذلك، كان هناك توتر خفي في الأجواء.
أبحرت السفينة نحو الجنوب الشرقي، حيث يقع كهف روح البحر، بينما كان البحّارة يحذرون من التيارات الغريبة التي ظهرت مؤخرًا في تلك المنطقة.
كان لوك يقف عند مقدمة السفينة، ينظر إلى الأفق، بينما اقتربت منه ميلين قائلة: "أشعر أن شيئًا ما يراقبنا."
أومأ رايكو ببطء، وأذناه الفضيتان تتحركان بحذر: "هناك طاقة غريبة في الهواء… و الأمواج ... ليست مجرد أمواج البحر."
و قجأة تحولت مياهه الهادئة إلى دوامات مظلمة ، قبل أن يتمكن أحد من استيعاب ما يحدث، انطلقت صرخات البحّارة.
و عندعا بدأت مخلوقات بحرية شيطانية بالصعود من الأعماق!
خرجت مخلوقات ذات أجساد زلقة وعيون متوهجة، تحمل رماحًا مصنوعة من العظام السوداء، وبدأت تهاجم السفينة.
"استعدوا للقتال!" صرخ لوك وهو يسحب سيف القمر، ليطلق ضوءً فضيًا أضاء سطح السفينة.
بدأت المعركة، حيث أطلقت ميلين سهامها بسرعة ودقة، بينما استخدمت ريكا تعاويذ الشفاء لحماية البحّارة المصابين.
كان جوران يقاتل بسيفيه بحماس، يقفز بين الأعداء برشاقة.
أما رايكو، فقد أطلق تعويذات قمرية ضربت المخلوقات بقوة، محوّلة بعضها إلى رماد متلألئ.
لكن رغم جهودهم، بدا أن المخلوقات لا تنتهي… وكأن هناك قوة مظلمة تدفعها للاستمرار.
لكن رغم جهودهم، بدا أن المخلوقات لا تنتهي… وكأن هناك قوة مظلمة تدفعها للاستمرار.
وفجأة، انقسمت المياه خلف السفينة، وظهر ظل طويل يقف على سطح البحر، وكأنه يطفو فوقه.
كان يرتدي رداءً أسود، وعيناه تتوهجان بلون قرمزي شرس.
إنه زاين، الظل الغامض الذي واجههم في فلوريان.
ابتسم زاين بسخرية وقال بصوت بارد: "لم أتوقع أن تنجوا من المرة السابقة… لكن يبدو أن حظكم لن يستمر طويلًا."
تقدم لوك، ممسكًا بسيفه بإحكام: "إذن، أنت وراء هذا الهجوم."
ضحك زاين بصوت منخفض: "بل هذه مجرد تحية صغيرة… أما المعركة الحقيقية، فستكون عندما تصلون إلى الكهف. فهناك… ينتظركم شيء أقوى بكثير."
لوّح بيده، وفجأة، انسحبت المخلوقات الشيطانية إلى البحر كما لو أنها لم تكن موجودة. ثم استدار زاين ببطء وقال بصوت خافت: "نراك قريبًا، بطل القمر."
واختفى كما ظهر، تاركًا خلفه توترًا ثقيلًا في الهواء.
تبادل الرفاق النظرات، يدركون أن المعركة القادمة ستكون أصعب مما توقعوا.
لكن رغم القلق الذي شعر به الجميع، كان في قلب لوك يقين واحد: لن يسمح لسيد الفناء بنشر ظلامه أكثر.
أمسك بمقبض سيفه بقوة، وحدق في الأفق، حيث بدأت ملامح كهف روح البحر تظهر في المسافة.
توقفت السفينة بالقرب من الساحل، حيث امتدت أمامهم منحدرات صخرية يقبع في قلبها مدخل كهف روح البحر.
كان المكان مهيبًا، محاطًا بضباب أزرق خافت، وكأن البحر نفسه يهمس بأسراره القديمة.
نزل لوك ورفاقه إلى اليابسة، وسرعان ما شعروا بطاقة غريبة تتدفق من الداخل.
كان صوت المياه يتردد داخل الكهف، لكن تحته، كان هناك همس آخر… صوت أشبه بنداء خافت، يطلب النجدة.
دخلوا الكهف بحذر، أضواء سيف القمر تتوهج بلون فضي خافت، كأنها ترد على طاقة المكان.
الجدران كانت مغطاة بنقوش قديمة تصور معركة بين كائنات بحرية وأساطير منسية.
"أشعر بطاقة محبوسة في الداخل…" همست ريكا وهي تضع يدها على أحد الجدران.
"لا بد أن هذا المكان يخفي شيئًا ما ." قال رايكو وهو يحدق إلى الأمام بحذر.
استمروا بالتقدم، حتى وصلوا إلى قاعة ضخمة في قلب الكهف.
في منتصفها، كان هناك قفص شيطاني مصنوع من طاقة مظلمة، تتداخل بين قضبانه رموز سوداء متوهجة.
وداخل القفص، كانت هناك فيرلي صغيرة زرقاء، تتوهج كأنها قطعة من المحيط نفسه.
اقترب لوك، فرأى عيون الفيرلي تحدق به برجاء، رغم ضعفها. حاولت التحدث، لكن السلاسل السحرية كانت تخنق صوتها.
"إنها محبوسة هنا…" قالت ميلين بقلق.
"لا يمكننا تركها." قال لوك بحزم.
لكن فجأة، اهتزت الأرض، وظهر من الظلام وحش شيطاني بحري، له جسد شبيه بالأخطبوط، وعيون شريرة تتوهج بلون أحمر.
"يجب أن نهزم هذا الوحش أولًا!" صرخ جوران وهو يستعد.
اندلعت معركة شرسة، حيث استخدم الوحش مجساته الضخمة لمهاجمتهم، محاولًا سحقهم تحت قوته الجبارة.
رايكو أطلق طلقات قمرية، وميلين أرسلت سهامها المغلفة بالسحر، بينما كانت ريكا تحمي الجميع بتعاويذها المقدسة.
لكن الوحش كان قويًا، وتحصينه الشيطاني جعله يقاوم هجماتهم.
"يجب أن أستخدم قوى القمر !" قال لوك، ثم رفع سيف القمر عاليًا، ليشع بضوء فضي قوي.
تدفقت الطاقة عبر جسده، وعندما قفز للهجوم، اخترق سيفه قشرة الوحش، ليقضي عليه بضربة هائلة.
مع موت الوحش، انكسرت التعويذة حول القفص، وتحررت الفيرلي، لتطفو في الهواء بوميضها الأزرق الساحر.
"شكرًا لكم…" قالت بصوت رقيق، وهي تنظر إلى لوك بامتنان. "أنا أزورا، روح البحر لقد حبست هنا منذ عقود بسبب ظلام سيد الفناء."
"إذا كنتِ روح البحر… فهل يمكنك مساعدتنا في هزيمة سيد الفناء ؟" سأل لوك.
ابتسمت أزورا بلطف: "بالطبع، سأكون رفيقتكم في هذه الرحلة. لقد أثبتم أنكم تستحقون ثقة المحيط نفسه."
وهكذا، انضمت أزورا إليهم، حاملة معها أسرار البحر، وقوة جديدة لمواجهة الظلام القادم.
بعد أن تحررت أزورا، خرج لوك ورفاقه من الكهف، حيث كان البحر هادئًا كما لو كان يشكرهم على إنقاذ روح البحر.
مع كل خطوة، كانت أزورا تطفو بجوارهم، تنظر إلى الأفق الأزرق بعيون لامعة، كأنها تستعيد ذكرياتها التي سُلبت منها.
عند وصولهم إلى العاصمة، كانت الشمس تغمر المدينة الساحلية بنورها، والأسواق تعج بالحياة.
انتشرت الأخبار عن إنقاذ روح البحر بسرعة، وبات السكان ينظرون إلى لوك ورفاقه بإعجاب واحترام أكبر.
"لقد فعلتم المستحيل." قال ملك سيرثار وهو يجلس على عرشه في القصر البحري. "تحرير أزورا هو معجزة لم تحدث منذ مئات السنين. أنتم حقًا أبطال ."
انحنت أزورا برشاقة وقالت بصوت هادئ: "لكن لا وقت للراحة، هناك خطر آخر يقترب."
نظر إليها لوك بجدية: "هل تعنين سيد الفناء؟"
أومأت أزورا: "ليس فقط هو… بل أحد أتباعه، شخص قوي يتلاعب بمياه المحيطات، ينشر ظله في الأعماق المظلمة. هناك مكانًا آخر مرتبطًا بسيد الفناء، مخفيًا في قاع البحر."
وضعت أزورا يديها أمامها، وبدأت تتوهج بطاقة زرقاء صافية.
فجأة، تشكلت أمامهم صورة سحرية ، تُظهر أطلالًا قديمة غارقة في الأعماق، مغطاة بالظلام والطاقة الشيطانية.
"هذا المكان…" تمتم ملك سيرثار، وبدت الدهشة على وجهه. "إنها أطلال ليفياثان، المدينة القديمة التي ابتلعها البحر منذ قرون. يُقال إن فيها أسرارًا كثيرة، وربما تكون مفتاحًا لهزيمة قوة سيد الفناء."
تقدم جوران متحمسًا: "إذن، نحن بحاجة للغوص هناك؟ تبدو مغامرة خطيرة!"
ضحكت أزورا برقة: "لن تتمكنوا من النجاة هناك بدون حماية.
البحر العميق مليء بالكائنات الخطيرة، والطاقة المظلمة تزداد قوة في الأعماق. لكنني أستطيع منحكم بركة البحر، والتي ستسمح لكم بالتنفس تحت الماء مؤقتًا."
قضى لوك ورفاقه يومًا كاملًا في التحضير، حيث اشتروا المعدات اللازمة، وأخذوا بعض الجرعات السحرية.
خلال تلك الفترة، بدأ لوك وأزورا في الحديث أكثر، حيث بدأت روح البحر تكشف عن ماضيها.
"في العصور القديمة، كنتُ وصية على توازن المحيطات، ولكن عندما ظهر سيد الفناء، حاول الاستيلاء على قوتي، وأرسل أحد أتباعه لأسري فشلت في مقاومته، وسُجنت في الكهف لسنوات طويلة…" نظرت إلى لوك بابتسامة دافئة. "ولكن بفضلكم، تحررت، والآن يمكنني مساعدتكم."
نظر لوك إليها بإعجاب: "نحن سعداء بانضمامك إلينا، أزورا. أنا ورايكو وميلين وريكا وجوران… جميعنا نحمل عبئًا ثقيلًا، لكننا لن نستسلم."
أومأت أزورا بثقة: "إذن، لنغوص في الأعماق ونكشف الحقيقة."
في اليوم التالي، تجمعوا عند الرصيف البحري، حيث استخدمت أزورا سحرها لمنحهم القدرة على التنفس تحت الماء.
مع أول خطوة إلى المحيط، أحاطت بهم هالة زرقاء خافتة، وسرعان ما وجدوا أنفسهم يغرقون بسلاسة في المياه العميقة.
كلما نزلوا أعمق، تحولت المياه إلى لون أزرق داكن، والأضواء الطبيعية بدأت تتلاشى. ظهرت أمامهم أطلال ليفياثان، مغطاة بالمرجان والكائنات البحرية المتوهجة.
لكن كان هناك شيء آخر…
عينان تراقبانهم من الظلام.
"نحن لسنا وحدنا هنا…" همس رايكو بحذر.
وفجأة، دوّى صوت عميق من الأعماق: "لقد تأخرتم كثيرًا… البوابة قد فُتحت بالفعل!"
ومن الظلام، ظهر ظل عملاق يتخذ شكل محارب بحري شيطاني، تتوهج عيناه بلون أزرق جليدي مخيف.
لوك قبض على سيفه، واستعد الجميع للقتال…
وقف لوك ورفاقه متأهبين، وأمامهم ظهر محارب البحر الشيطاني، جسده مصنوع من درع أزرق داكن، وعيناه تلمعان بوهج جليدي.
كان يحمل رمحًا طويلًا يشع بطاقة سوداء، تتراقص حوله ظلال غامضة.
ابتسم المحارب بسخرية وهو ينظر إليهم: "لم أتوقع أن أرى حامل سيف القمر هنا، ولا روح البحر. لكن الأمر لا يهم… فلن تغادروا هذه الأطلال أحياء."
تقدمت أزورا، شعرها الأزرق يطفو مع تيارات المياه، وواجهته بجرأة: "لقد دمرتَ هذه المدينة، وقيدتَ روحي لمئات السنين… لن أسمح لك بأن تفسد العالم أكثر!"
"هاهاها، وهل تعتقدين أنكِ قادرة على هزيمتي؟" رفع المحارب رمحه، وفجأة اهتزت المياه حولهم، وبدأت الظلال تتجمع، مكوّنة مخلوقات بحرية شريرة، أشكالها مشوهة وأعينها تتوهج بلون أحمر مخيف.
"إنه يستخدم طاقة الظلام لاستدعاء اتباعه !" صاح جوران، مستعدًا للقتال.
"إذن، لنترك الكلام جانبًا!" قال لوك بحزم، واندفع نحو المحارب الشيطاني، سيف القمر يشع بضوء فضي وسط العتمة.
كان القتال في الأعماق مختلفًا تمامًا عن أي معركة خاضها لوك من قبل.
المياه تبطئ الحركات، والرؤية غير واضحة، لكن رايكو كان إلى جانبه، يرسل دفعات من طاقة القمر لإضاءة المكان وإعاقة الوحوش الظلامية.
ميلين استخدمت مهاراتها السحرية، فأطلقت سهامًا مصنوعة من الطاقة المائية، بينما كانت ريكا تحمي الجميع بحاجز مقدس يمنع تأثير الطاقة الشيطانية.
أما المحارب الشيطاني، فقد كان قوياً، يهاجم بضربات سريعة ودقيقة، مستخدمًا رمحه لإطلاق موجات صادمة من الطاقة المظلمة.
لوك تفادى إحدى الضربات بصعوبة، وهاجم بسيفه، لكن المحارب صد الهجوم بسهولة، دافعًا لوك بعيدًا بقوة كبيرة.
"إنه قوي جدًا!" تمتم لوك وهو يعيد توازنه.
"علينا العمل معًا!" صاحت أزورا، ثم أغلقت عينيها وبدأت تتوهج بطاقة بحرية نقية. "سأستخدم قوة البحر الحقيقية!"
مع تزايد المعركة شراسة، شعر لوك بسيف القمر يتفاعل مع طاقة أزورا. عندها، تردد صوت داخل عقله، كان صوتًا مألوفًا…
"لوك… لقد أصبحت أقوى حان الوقت لكشف جزء آخر من قوة سيف القمر."
فجأة، أضاء السيف بضوء أزرق فضي، وبدأت نقوش غامضة تظهر على نصله.
شعر لوك بطاقة جديدة تتدفق داخله.
"هذه…" اتسعت عيناه بدهشة، لكنه لم يتردد.
"رايكو، ميلين، جوران، ريكا، أزورا… سننهي هذا معًا!"
مع اتحاد قواهم، اندفعوا جميعًا نحو المحارب الشيطاني، وفي هجوم منسق، وجه لوك ضربة قوية، مخترقًا دفاعاته، بينما أطلقت أزورا موجة مدّية من الطاقة، دافعة إياه إلى الأعماق.
صرخ المحارب وهو يتلاشى وسط الظلام، تاركًا وراءه صدى صوته: "سيد الفناء… لن تنتهي الأمور هنا…"
بعد انتهاء القتال، بدأت الأطلال تهتز، كأنها تستجيب لاختفاء الحارس الشيطاني و شعرت أزورا بالطاقة الظلامية تتلاشى، وعرفت أن المهمة قد نجحت.
لكن قبل مغادرتهم، لاحظ لوك رمزًا غامضًا على أحد الجدران، يشبه الهلال لكنه مقلوب رأسًا على عقب.
"هذا الرمز… أليس هذا…" تمتم رايكو.
أومأت أزورا بجدية: "إنه رمز أحد أتباع سيد الفناء الكبار… هذا ليس سوى بداية الطريق."
تنفس لوك بعمق، يعلم أن التحديات لم تنتهِ بعد.
"إذن… فلنستعد للخطوة التالية."
بعد الانتصار في أعماق البحر، عاد لوك ورفاقه إلى مدينة سيرين، العاصمة البحرية لمملكة سيرثار.
كان السكان قد علموا بما حدث، واستقبلوهم كأبطال، حيث اصطفت الحشود في الشوارع تهتف بأسمائهم، وترمي الزهور الزرقاء على طريقهم.
ميلين ابتسمت وهي تراقب المشهد مندهشة: "لم أتوقع أن نحصل على استقبال كهذا."
جوران ضحك، واضعًا يديه خلف رأسه: "بصراحة، لا أمانع القليل من التقدير بعد كل ذلك القتال!"
أما ريكا، فكانت خجولة، غير معتادة على هذا النوع من الاهتمام، لكنها شعرت بالفخر وهي تسير بجانب لوك.
أما لوك، فكان يحاول إخفاء توتره، غير معتاد على كونه مركز الاهتمام.
نظر إلى رايكو الذي كان جالسًا على كتفه، فأومأ له الثعلب الفضي بثقة: "عليك أن تعتاد على هذا، أيها البطل."
" لكن هذا صعب جداً " قال لوك بصوت متذمر.
عند وصولهم إلى القصر الملكي، استقبلهم الملك نيثان بنفسه،
"لوك بريفهارت ورفاقه، لقد أثبتم أنكم أبطال حقيقيون." تحدث الملك بصوت سعيد قبل أن يرفع كأسه عاليًا. "هذه الليلة لكم، استمتعوا!"
بدأ الاحتفال، وكان القصر يعج بالموسيقى والأضواء، والأطباق البحرية اللذيذة تُقدم للضيوف.
لوك جلس بجانب ميلين ورايكو، بينما جوران كان منهمكًا في تناول الطعام، وريكا كانت تراقب الأجواء بهدوء.
ميلين نظرت إلى لوك وقالت بابتسامة هادئة: "يبدو أنك بدأت تعتاد على كونك بطلًا."
لوك ابتسم بخجل: "ما زلت أشعر أن كل هذا أكبر مني…"
رايكو قفز إلى الطاولة وقال: " هاهاها لكن هذا قدرك، سواء كنت مستعدًا أم لا."
تقدم الحفل، وقف الملك نيثان، وضرب بعصاته الملكية لإسكات القاعة و الجميع وجهوا أنظارهم إليه.
"بما أنكم حررتم هذه المملكة من تهديد خطير، فإنه من غير الممكن أن ندع هذا يمر دون مكافأة مناسبة."
نظر إلى لوك مباشرة، وقال بصوت جاد:
"لوك بريفهارت، بطل القمر… قررت منحك لقب نبيل رسمي في مملكة سيرثار، وتعيينك حاكمًا لمقاطعة 'لوناريا'، إحدى المناطق الساحلية المهجورة التي تحتاج إلى قائد قوي لاستعادتها."
عمّ الصمت للحظات، قبل أن تتعالى أصوات الدهشة بين الحاضرين.
لوك نفسه لم يعرف كيف يرد، وهو يحدق في الملك. "أنا… ماذا؟"
ميلين وضعت يدها على فمها من الدهشة، وجوران كاد يختنق بقطعة لحم، بينما رايكو فقط ضحك وقال: "يبدو أنك أصبحت شخصًا مهمًا الآن."
الملك ابتسم: "أعلم أن الأمر مفاجئ، ولكن أعتقد أن شخصًا مثلك يستطيع أن يجعل لوناريا تزدهر من جديد."
بعد تفكير عميق، وقف لوك أمام الملك نيثان، وشعر بثقل المسؤولية، لكنه أدرك أنها خطوة نحو شيء أكبر.
انحنى بأدب وقال بصوت ثابت:
"أشكرك، جلالتك، على هذه الثقة. سأقبل اللقب وأبذل جهدي لإعادة لوناريا إلى مجدها."
تعالت التصفيقات في القاعة، والملك نيثان ابتسم برضى، ثم أمر بإعداد كل ما يحتاجه لوك للرحلة إلى مقاطعته الجديدة.
في صباح اليوم التالي، استقل لوك ورفاقه سفينة صغيرة أبحرت نحو لوناريا، المقاطعة الساحلية التي كانت يومًا ما مزدهرة، لكنها الآن مهجورة بسبب الدمار الذي خلفته الحروب القديمة والوحوش.
عندما اقتربوا من الشاطئ، وقف لوك على مقدمة السفينة، وعيناه تتأملان الأرض الممتدة أمامه.
المباني المتهدمة، الطرق المتآكلة، والرياح التي تحرك اللافتات الباهتة، كل شيء أظهر أن المقاطعة كانت في حاجة ماسة لمن يعيدها للحياة.
رايكو جلس على كتف لوك وقال: "مكان رائع… لكنه يحتاج للكثير من العمل."
ميلين تنهدت وهي تنظر إلى المباني المدمرة: "يبدو أن أمامنا تحديًا جديدًا."
أما ريكا فابتسمت قائلة: "لكن هذا المكان يملك إمكانيات كبيرة، يمكننا فعل الكثير هنا."
جوران ضحك وقال: "طالما لدينا الطعام والماء، فأنا مستعد للعمل!"
أثناء تقدمهم داخل المقاطعة، وجدوا طريقًا حجريًا يؤدي إلى تلة عالية، حيث وقف قصر قديم مهجور، تحيط به الأشجار والكروم المتسلقة.
عندما دخلوا القصر، كان الغبار يملأ الهواء، والنوافذ المهشمة تسمح لأشعة الشمس بالتسلل إلى الداخل.
كانت الجدران مزينة بنقوش قديمة، والأثاث العتيق متناثرًا في كل مكان.
لوك مرر يده على أحد الجدران، وشعر بأثر التاريخ العريق لهذا المكان. قال بهدوء: "يمكننا أن نجعل هذا القصر مقرًا لنا… سنعيد بناءه شيئًا فشيئًا."
رايكو قفز على طاولة قديمة وقال: "بالتأكيد سيكون هذا المكان مناسبًا لنبيل مثلك، أيها السيد لوك."
ضحك الجميع، وبدأوا بتنظيف المكان، وجمع ما يمكن استخدامه من الأدوات القديمة و قليل من السحر.
و بالطبع ارسل الملك نيثان بعض العمال لترميم القصر ليكون جاهز عند عودتهم من رحلتهم.
وفي إحدى الليالي، اجتمع لوك ورفاقه في القصر القديم الذي أصبح الآن أكثر إشراقًا بفضل الإصلاحات.
جلسوا حول طاولة كبيرة، وأمامهم خريطة أورليانا.
ميلين أشارت إلى النقطة التالية وقالت: "وجهتنا القادمة… مملكة لوميناريس."
لوك نظر إلى الخريطة، وأخذ نفسًا عميقًا. "حان وقت مواصلة الرحلة."
لكن ماذا ينتظرهم في مملكة النور؟ وهل سيكون لوناريا ملجأً آمنًا أم سيتعرض لتهديد جديد؟
بعد أسابيع من العمل المتواصل، وقفت لوناريا شامخة من جديد، تشع بالحياة والنشاط.
الأسواق الصغيرة بدأت بالظهور، والمزارعون عادوا إلى أراضيهم، بينما كان الجنود الجدد يحمون المقاطعة من أي تهديد محتمل.
وقف لوك أمام بوابة القصر، ينظر إلى المدينة التي بدأت تتعافى.
شعر بالفخر، لكنه لم ينسَ أن طريقه لم ينتهِ بعد.
"إذاً، متى ننطلق؟" سأل جوران وهو يشد حزام فأسه.
ميلين ابتسمت قائلة: "أعتقد أننا جاهزون الآن."
ريكا، التي وقفت بجانب لوك، نظرت إليه وقالت: "يجب أن نتحرك قبل أن يتفاقم خطر الظلال أكثر."
لوك تنهد وقال: "لنؤخر الرحيل ليوم واحد فقط، أريد التأكد من أن لوناريا ستكون في أيدٍ أمينة أثناء غيابنا."
قبل مغادرتهم، اجتمع لوك مع القائد المسؤول عن الحرس الجديد، وأوصاه بحماية لوناريا من أي تهديد.
كما ترك رسالة للملك نيثان يطلب منه إرسال تعزيزات إذا دعت الحاجة.
"لوناريا أمانة في أعناقكم، لن أكون هنا، لكنني سأعود يومًا ما، وأتوقع أن أراها أقوى مما هي عليه الآن." قال لوك بصوت حازم.
"سيدي، لن نخذلك!" أجاب أحد الجنود بحماس.
وهكذا استعد الأصدقاء لمغامرتهم الجديدة.
الفصل السابع : مملكة لوميناريس و الأسلحة المقدسة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق